الأربعاء، 6 يناير 2016

الغذاء في الاسلام






منذ أن خلق الله عز وجل الإنسان وأعطاه القدرة على السعي والانتشار، وهو يعمل بدأب للحصول على الغذاء
الذي يتمكن به من العيش والديمومة والإبقاء على ذاته، مما جعل السعي نحو إشباع رغبات الجسم وتلبية احتياجاته من الطعام أمرا فطريا وغريزيا، وهذا ما أكدته حادثة أبينا آدم عليه السلام وزوجه، إذ دفعتهما غريزة وشهوة الطعام إلى نسيان أمر الله والوقوع في المعصية ( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما) طه (115) ، ولعل ارتباط الغذاء بأول حاثة في تاريخ البشرية يظهر بجلاء أهمية الغذاء في حياة الإنسان وفي التأثير على سلوكه.

ومن أن سكن الإنسان هذه الأرض وهو يسعى بشكل دائم إلى تأمين احتياجاته من الغذاء ، حتى أصبح توفر الغذاء شرطا لازما للاستقرار والاستيطان ، وكان بذلك أن أصبح للزراعة دور حاسم في تطور الحياة البشرية واستقرارها وفي تكون المجتمعات وتطور المدنية .

ومع تطور الحياة البشرية وازدهار الحضارات ، إزداد اهتمام الإنسان بالزراعة وانتاج الأغذية المختلفة (الحيوانية والنباتية) ، حتى غدت علوم الزراعة والتغذية والإغذية أبرز علوم العصر الحديث.

ولقد سبق الإسلام كل الأمم بحثه المسلم على العمل والزراعة وطالب المسلمين بالجد والاجتهاد في طلب الرزق وتحري الحلال الطيب والاعتدال في النفقة بعيدا عن الإسراف والتبذير.

الفصل الأول

الإسلام والغذاء

الباب الأول

أهمية الغذاء لجسم الإنسان وحاجته إليه

تنبع أهمية الإغذية ، مثل اللحوم بأنواعها والحبوب والبقول والخضار والفواكه، من احتوائها على العناصر الغذائية اللازمة لانتاج الطاقة ، وللقيام بعمليات البناء والنمو والتكاثر وصيانة الأنسجة التالفة . ونظرا لعدم قدرة جسم الإنسان على تصنيع هذه العناصر الغذائية، أو عدم قدرته على تصنيعها بكميات كافية ، كان لزاما على الإنسان الحصول على هذه العناصر من خلال الغذاء.

وتنقسم العناصر الغذائية التي يحتاجها جسم الإنسان إلى مجموعات ست رئيسية وهي: الماء والسكريات (الكربوهيدات) والبروتينات والدهون والفيتامينات والمعادن ، وفيما يلي نبذة مختصرة عن هذه المغذيات واهميتها لصحة الإنسان وسلامته:

(1) الماء :

عنصر غذائي ضروري للجسم وله وظائف حيوية متعددة ويشكل الدعامة الرئيسة لحياة الإنسان وبقائه. والماء يشكل نسبة عالية من تركيب الخلايا والأنسجة الحية، وهو من الناصر الغذائية المنتجة للطاقة على الرغم من أهميته لجميع عمليات تمثيل الغذاء وانتاج الطاقة ، ولذلك كان لا بد من تناوله باستمرار، حيث يحتاج الإنسان البالغ إلى حوالي 3-4 لتر ماء كل يوم.

(2) السكريات (الكربوهيدات) :

وهي مركبات عضوية تتكون من عناصر الكربون والهيدروجين والأوكسجين، وهي تقسم إلى أنواع عدة نظرا لتوفرها في أنواع كثيرة من الأغذية . وتنبع أهيمة السكريات ، وخاصة الذائبة منها، من كونها المصدر الرئيسي للطاقة في غذاء الإنسان ، والكثير من الحيوانات المجترة.

بينما تشكل الكربوهيدات غير الذائبة ، والتي تعرف بالألياف الغذائية ، والمصدر الرئيسي للطاقة في الحيوانات المجترة وآكلة الأعشاب ، كما تلعب دورا هاما في المحافظة على صحة الإنسان وحيويته من خلال منع الإصابة بأمراض الإمساك وداء الأمعاء الردبي وسرطان القولون.

(3) الدهون :

وهي مركبات عضوية تحتوي على عناصر الكربون والهيدروجين والأوكسجين ، وتكمن أهميتها في دورها في تزويد الجسم بالطاقة الحرارية التي تبلغ ضعف الطاقة المأخوذة من السكريات. كما تكمن أهمية الدهون في احتوائها على الأحماض الدهنية التي يحتاجها الجسم ولا يستطيع تصنيعها والتي تدخل في بناء الخلايا وتركيبها. وتحتوي الدهون بالإضافة إلى ذلك الفيتامينات الذائبة في الدهون، والتي تقوم بدور عامل في بناء أنسجة الجسم مثل شبكة العين والعظام ، وفي المحافظة على نضارة الجلد وتماسكه.

(4) البروتينات:

والبروتينات مركبات عضوية كبرة تتكون من وحدات بناء نيتروجينية تعرف بـ " الأحماض الأمينية " ، وتتميز البروتينات باحتوائها على عنصر النيتروجين الذي يميزها عن الكربوهيدات والدهون. وللبروتينات دور هام وأساسي في بناء الأنسجة وصيانتها ، وفي تجديد التالف منها، كما تستخدم البروتينات في إنتاج الطاقة في حال نقص الكربوهيدات في الغذاء وعند وجود فائض من البروتينات يزيد عنه احتياجات الجسم للبناء والصيانة.

(5) الفيتامينات:

مجموعة من المركبات العضوية المعقدة في تركيبها ، ويتطلبها جسم الإنسان بكميات قليلة نسبيا، وهي ضرورية لصيانة نمو الجسم ووقايته من الأمراض . وهي تقسم إلى مجموعتين كبيرتين : الفيتامينات الذائبة في الماء والفيتامينات االذائبة في الدهون.

(6) العناصر المعدنية :

وهي تشكل 4% من وزن الإنسان ، ويتطلب الجسم بعض العناصر بكميات كبيرة نسبيا وتسمى العناصر الكبرى، ويتطلب الجسم بعضا منها ولكن بكميات صغيرة نسبيا وتسمى العناصر الصغرى أو النزرة . وتلعب العناصر المعدنية دورا هاما في تنشيط التفاعلات الحيوية داخل الجسم وفي تنظيم سوائل الجسم وتنظيم التوازن الحامضي – القاعدي فيه.

الباب الثاني

نظرة الإسلام إلى الغذاء والتغذية

لما كانت الزراعة ضرورية لتوفير الغذاء وتأمين احتياجات الإنسان منه، فقد حث الإسلام على الاهتمام بالزراعة باعتبارها الركيزة الأساسية في بناء الاقتصاد القوي وتأمين الحياة الكريمة، وباعتبارها المصدر الأساسي والرئيس في توفير الغذاء ، فقال صلى الله عليه وسلم : "لا يغرس المسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة". رواه مسلم عن جابر بن عبدالله، وقال عليه الصلاة والسلام : " إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل " رواه أحمد عن أنس بن مالك.

كما حث الإسلام على تنمية القطاع الزراعي وزيادة رفعته من خلال حثه على إعمار الأرض البوار واستصلاحها بالزراعة ، فقال عليه الصلاة والسلام : " من أحيا أرضا ميتة فهي له" ، رواه الترمذي عن جابر بن عبدالله، كما نهى الإسلام عن كل ما يؤدي إلى الضرر بالقطاع الزراعي ويتسبب في الإخلال بالأمن الغذائي ، فقال عليه الصلاة والسلام : "من قطع سدرة صوب الله رأسه بالنار" ، رواه أبو داوود عن عبدالله بن حبشي. ()

وقد أشار القرآن الكريم على هذا المعنى من خلال نهيه عن الفساد والإفساد في الأرض، والذي يتضمن الإضرار بالثروة الحيوانية والنباتية ، فقال تبارك وتعالى: { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام . وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} البقرة (205).

ونظرا لما يتطلبه الحصول على الغذاء من بذل للجهد والوقت ، ولما يحتاجه ذلك من تطوير لأساليب العمل والإنتاج والتصنيع، ومنه الإنتاج والتصنيع الزراعي، فقد حث الإسلام على العمل والاحتراف والكسب الحلال الطيب، لقوله صلى الله عليه وسلم : " خير الكسب كسب يد العامل إذا نصح" رواه أحمد عن أبي هريرة ، وقال عليه الصلاة والسلام حاثا على الأكل من كسب اليد الحلال: " ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده ، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده" ، رواه البخاري. كما دلت الآية الكريمة على ضرورة السعي في طلب الرزق والسير في الأرض وبذل الجهد في سبيل تأمين الرزق ، فقال جل من قائل: { هو الذي جعل الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} الملك (15).

وقد حث الإسلام أتباعه على الانتفاع بما خلق الله لعباده من الطيبات بغية التعرف على نعم الله وعطاياه ، والتي من أظهرها أنواع الطعام المختلفة ، قال جل وعلا : { ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش، قليلا ما تشكرون} الأعراف (10)، وقال عز من قائل : { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} البقرة (172) .

كما حرم الإسلام على أتباعه حرمان أنفسهم من التمتع والتلذذ بطيبات ما أحل لهم من الرزق فقال جل وعلا: { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} وبين أن في ذلك تعديا على حدود الله وتجاوزا لأوامر ، فقال جل وعلا في آخر الآية : { ولا تعتدوا ، إن الله لا يحب المعتدين} المائدة (87) . وقال جل من قائل: { وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي انتم به مؤمنون} المائدة (88). وفي الربط ما بين التقوى والأكل من رزق الله دليل واضح وصريح على ضرورة الالتزام بمنهج الله وتطبيق أوامر واجتناب نواهيه، فيما يتعلق بالحصول على الغذاء وتناوله ، والتأكيد على ضرورة الحرص على الحلال وتجنب الحرام، لما لذلك من تأثير كبير على حياة الإنسان وسلوكه ومعاشه.

ويظهر اهتمام الإسلام بالغذاء من كونه يشكل مع قضية الأجل القضية المحورية والعمود الفقري في حياة الإنسان، وتبلور أفكاره وتبديد هواجسه، وكثيرا من الحروب الأزمات النزاعات والخلافات في العالم سببها اقتصادي أو نتيجة لأزمة غذاء.

الباب الثالث

فلسفة التغذية في الإسلام

إن الإسلام قد ربط كل عمل يقوم به المسلم في حياته بغاية عظمى وهدف سام يعيش له المسلم ويحيى من أجله، ألاوهو تحقيق العبودية لله عز وجل، { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ب العالمين} الأنعام (162). { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} البينة (5).

والتغذية شأنها شأن أي مفردة من مفردات حياة الإنسان المسلم غايتها التقوي على طاعة الله والاستعانة بهذا الغذاء في توفير الطاقة اللازمة للجسم وللمحافظة على صحته بما يضمن بقاءه واستمراره على تأدية الواجبات والقيام بحقوق العبودية لله عز وجل واعمار الأرض وفق منهج الله.

وهذا ما دل عليه أحد السلف الصالح رضوان الله عليهم : " إني لأحتسب لله أكلتي وشربتي كما أحتسب نومتي وقومتي" . وقد كان لهذه الفلسفة الأثر الكبير في ترشيد نظرة المسلم للغذاء وترشيد التعامل معه، فهو يعتبره وسيلة لا غاية يجهد من أجلها وفي سبيل تحقيقها إشباعا لرغباته وشهواته نفسه ، وهو بذلك يضمن لنفسه أن يجنبها غوائل الإسراف والتبذير في طلب الطعام وتناوله ويكون بذلك أيضا قد أعفى نفسه من الكثير من المشاكل الصحية .

وفي هذا المعنى يصدق حديث النبي صلى الله عليه وسلم : " تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الدينار، وتعس عبد القطيفة ، تعس عبد الخبيصة ( وهي نوع من أنواع الطعام) ، تعس وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش" ، وبما أن الإسلام قد أوجب على اتباعه حفظ أجسامهم وتجنبها كل ما يؤذيها ويلحق الضرر بها { ولا تقتلوا أنفسكم ، إن الله كان بكم رحيما} ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا ضرر ولا ضرار" ، فقد أصبح تباعا من الواجب شرعا على المسلم أن يعتني بغذائه وأن يحرص على تلبية احتياجات جسمه من جميع العناصر الغذائية التي يضمن توفرها الإبقاء على الجسم صحيحا سليما بعيدا عن الأمراض، وكذلك الحرص على تجنب الأغذية الضارة التي تسبب المشاكل الصحية والأمراض للجسم.

الباب الرابع

إسهام الحضارة الإسلامية في مجال علوم الغذاء والتغذية

لقد انعكست نظرة المسلم إلى الغذاء على حياة العرب في صدر الإسلام ، إذ لم يهتم العرب كثيرا في تحسين وتطوير أطعمتهم ، ولم يعرف عنهم التفنن في ذلك، بل سلكوا أسلوب التقليد للأمم والشعوب الأخرى التي دخلت الإسلام فيما بعد، فكان أن تعرف العرب على تقاليد هذه الأمم والشعوب في تحضير الأطعمة والوجبات، وكان أن انتلقت إليهم العديد من الأكلات والطبخات التي ما زالت تحتفظ بأسمائها غير العربية حتى يومنا هذا ، مثل : الكباب والبرياني والقوزي والبرغل والطرشي والشركسي والكشري والمعكرونة وغيرها من الأطعمة والإغذية.()

ومع مرور الوقت، واتساع رقعة الأقطار الإسلامية ، أصبح لدى علماء المسلمين اهتماما متزايدا في تدبير الأطعمة وعاداتها وآدابها، فكان أن ظهرت بعض الكتب التي تهتم بهذا الشأن ، مثل كتاب (الولائم) لشمس الدين محمد بن علي بن طولون الدمشقي (1475-1546) ، وكتاب ( آداب الأكل) لابن عماد الأفقهبي (1349-1405) ، وكتاب (تدبير الأطعمة) للكندي (801-856) .()

الاعتدال والإسراف:

ولم يقتصر اسهام الحضارة الإسلامية على تدبير شؤون الغذاء وعاداته فحسب، بل كان لها الأثر الأبرز في تطوير المفاهيم الغذائية والتغذوية والصحية ، وفي تكوين السلوك التغذوي السليم وإبراز الغذاء كعامل مهم في صحة الإنسان ، وهو ما كان يشكل سبقا حضاريا وإعجازا علميا يؤكد صدق النبوة والرسالة المحمدية.

فقد حثت آيات القرآن الكريم على عدم التبذير والإسراف في تناول الطعام، وعلى سلوك منهج التوسط والاعتدال في كل شؤون الحياة، فقال جل وعلا: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} البقرة (143) ، وقال عز من قائل: { وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان} الرحمن وأفردت آيات القرآن الكريم مساحة خاصة للغذاء ، فقال عز وجل: { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين} الأعراف (31) . وقد وردت في السنة النبوية الأدلة الموجهة الى النهي عن الإكثار والإفراط في تناول الطعام والشراب، فقال صلى الله عليه وسلم : " ما ملأ ابن آدم وعاء من شر من بطنه ، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن أوده، فإن كان لا بد فاعل فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه"

ودلت دراسات العلم الحديث على أن السمنة الناجمة عن الإفراط في تناول الطعام تعد من أخطر أمراض العصر، إذ ينشأ عنها العديد من الأمراض التي تهدد حياة الإنسان وتعرضه للهلاك مثل أمراض السكري وارتفاع ضغط الدم وتصلب الشرايين والنقرس، وهذا ما يؤكد صحة المقولة المأثورة : " المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء".

كما جاءت الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة بتخصيص ذكر الأطعمة كاللحوم والتمر والعسل واللبن وتبيان أهميتها وفائدتها الصحية والتغذوية ، فقال جل وعلى مبينا أهمية العسل الصحية : { فيه شفاء للناس} النحل ( 69) ، وقال صلى عليه الله عليه وسلم منبها إلى أهمية التمر الغذائية : " بيت لا تمر فيه جياع أهله" رواه مسلم وأحمد ، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا شرب اللبن (الحليب) قال : " اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، وكان إذا أكل أو شرب غيره من الأغذية قال : " الله بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه" .

وكانت المعالجة بالأغذية للأمراض من أهم أسس العلاج الطبي لكثير من الأمراض في المستشفيات في الحواضر الإسلامية في العصرين الأموي والعباسي. () ، وجاء تخصيص الأغذية في كتب الأطباء المسلمين ، كالرازي (850-932) وابن سينا (980-1037) ، وقد لخص ابن سينا كتاب (القانون في الطب) في منظومته المشهورة " الأرجوزة في الطب) والتي أظهر فيها اهتمامه الكبير بالأغذية والمعالجة بها، ومن الأمثلة على الكتب الأخرى التي ألفها العلماء المسلمون في التغذية كتاب (الأشربة) لابن ماسويه (777-857) وكتاب (تدبير الأصحاء بالمطعم والمشرف) لحنين ابن اسحق (809-873) و(الارجوزة في الحميات) لابن عزروت و (الأرجوزة في الأغذية والترياق) للسنان الدين ابن الخطيب (1313-1375).

الفصل الثاني

أحكام الأغذية (الأطعمة والأشربة) في الإسلام

الباب الأول

أحكام الذبح وآدابه

عني الإسلام بوضع الأحكام الشرعية التي تنظم عملية الذبح للحيوانات التي يحل أكل لحومها ، لما لعملية الذبح من تأثير كبير على صحة وسلامة هذه اللحوم ، وما ينتج عن ذلك من تأثير كبير على صحة الإنسان ، ولقد حققت الشريعة الإسلامية سبقا حضاريا بفرض الذكاة الشرعية على ما يحل أكله من الحيوانات (كالأنعام والإبل والماشية) ، وبوضع العديد من الآداب والأحكام الشرعية أثناء عملية الذبح. () :

فمن ذلك ضرورة التقيد بالذكاة الشرعية ، وهي ذبح الحيوان أو نحره بقطع حلقومه (مجرى النفس) أو مريئه (مجرى الطعام والشراب من الحلق) () وينطبق ذلك على كل حيوان يحل أكله ما عدا السمك والجراد. وتكمن اهمية الذكاة في تسهيل خوج وتدفق الدم من داخل جسم الحيوان، حيث يحمل الدم داخل الجسم العديد من المركبات السامة مثل المركبات النيتروجينية (اليوريا وحمض البول والأمونيا) وغاز ثاني أكسيد الكربون ، بالاضافة إلى أنه ناقل لبعض السموم من الأمعاء إلى الكبد ، والتي قد يؤدي تناولها إلى الإضرار بصحة الإنسان وتسبيب الأمراض له.
أن يذكر اسم الله سبحانه وتعالى على الحيوان المراد تذكيته ، لقوله تعالى : {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم إياه تعبدون} الانعام (118)، وقوله جل وعلا: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} الأنعام (121).
أن تكون الأداة المستخدمة في ذبح الحيوان حادة حتى تتم عملية الذبح بسرعة وسهولة، ولكي تقل معاناة الحيوان أثناء الذبح ، ويعد هذا الأمر سبقا حضاريا آخر في مجال التعامل مع الحيوان والرفق به وعدم تعذيبه ، قال صلى الله عليه وسلم : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وليحد أحدم شفرته وليرح ذبيحته" رواه مسلم عن شداد بن أوس. وفي الحث على إراحة الحيوان قبل ذبحه حكمة جليلة أظهرتها الدراسات العلمية الحديثة ، إذ أن إراحة الحيوان قبل الذبح أمر ضروري للحصول على لحم ذي طعم مستساغ، حيث يتحول الجلايكوجين الوجود في العضلات بعد ذبح الحيوان إلى حامض اللاكتيك (حامض اللبن) والذي يقوم بدور حافظ للحم ، وكذلك يعمل على تطرية اللحم حيث يقوم هذا الحامض خلال فترة تعليق الحيوان بتغيير طبيعة البروتين في اللحم مما يعمل على تطريته، وفي حال تعرض الحيوان للإجهاد قبل الذبح فإن ذلك سيؤدي إلى استنفاد كمية الجلايكوجين ، ومن ثم التقليل من تكون حامض اللاكتيك بدرجة كبيرة فلا تتم عملية التطرية بشكل جيد.
الباب الثاني

الأغذية المحرمة في الإسلام

إن من مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء حفظ الدين والعقل والنفس والجنس(النسل) والمال، وقد عمد الشارع الحكيم إلى تحريم كل ما من شأنه أن يخل بتحقيق هذه المقاصد . والقاعدة الشرعية التي تحكم التعامل مع مكونات الطبيعة وما أوجده عز وجل فيها هي أن الأصل في الشيء الإباحة لقوله تعالى : { وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} الجاثية (45) ، إلا ما ورد نص على تحريمه مثل النجس وما اختلط بنجس والضار والمسكر وكل ما تأنفه النفس السوية ولا تستطيبه من الأوساخ والقاذورات ، قال تعالى : { ويسألونك ماذا أحل لهم، قل أحل لكم الطيبات} المائدة (4). ويقول تعالى في صفة نبيه صلى الله عليه وسلم : {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} الأعراف (175).

الخمـــــــــــــــــــــــر

الخمر هو المادة الناتجة عن التخمر اللاهوائي للسكريات البسيطة الموجودة في بعض انواع الحبوب والفواكه مثل الشعير والتمر والعنب والعسل، إذ ينتج عنه تخمر هذه السكريات بفعل أنواع من الفطريات (الخمائر) انتاج مادة الكحول ، وهي مادة الإيثانول (الكحول الأثيلي). () والخمر كما عرفه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه : " ما خامر العقل" أي اختلط به فغطاه وحجبه عن العمل بصورته الطبيعية التي خلقه الله عز وجل عليها، فيصبح الإنسان مغيبا عنه نفسه وعن محيطه، فيتصرف بغير هدى من عقله ورشده، فيحصل الفساد والإفساد في الأرض .

يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم : " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام" رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي. ويقول صلى الله عليه وسلم : " ما أسكر كثيره فقليله حرام" رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.

ونظرا لما يؤديه شرب الخمر من أضرار بالعقل والجسم وما يلحق ذلك من صد عن سبيل الله وعن الصلاة وايقاع العداوة والبغضاء ، فقد شدد الإسلام في تحريمه وغلظ في عقوبة شاربه، فقال عز من قائل: { يسألونك عن الخمر والميسر ، قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} البقرة (219) ، وقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ، فهل أنتم منتهون} المائدة (90-91) . كما شدد النبي صلى الله عليه وسلم في تحريمه والتنفير منه كل ما يؤدي إليه ومن المعاونة عليه، وجعل جزاء ذلك اللعنة ، أي الطرد من لعنة الله . فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن في الخمر عشر: عاصرها ومعتصرها وشاريها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له".

وقد أكدت الأبحاث العلمية أن تناول الخمر يؤدي إلى العديد من الأضرار على صحة الإنسان، إذ ينتج عنه تمثيل الكحول داخل الجسم انتاج مواد كيميائية تضر بالدماغ والعضلات والكلى والكبد والقلب () ، هذا بالاضافة إلى المشاكل والأضرار الاقتصادية والاجتماعية والجمالية ، والتسبب بأمراض سوء التغذية الكثيرة ومنها:

يقلل تناول الكحول من تناول الأطعمة الأخرى التي تحتوي على العناصر الغذائية المفيدة للجسم ، فالكحول مصدر للطاقة الفارغة ويعطي الإنسان قناعة وهمية بالشبع، فيعزف عن تناول الأطعمة الأخرى.
يسبب تناول الكحول التهابات في المعدة والأمعاء والبنكرياس ، فيؤثر على عملية الهضم والامتصاص ويؤدي ذلك إلى سوء امتصاص العناصر الغذائية مثل المعادن والفيتامينات ، وخاصة فيتامينات (ب) المركبة الذائبة في الماء وفيتامين (ج).
الكحول ومخلفاته التمثيلية في الكبد تؤدي إلى تشمع الكبد الكحولي الذي يؤدي إلى الوفاة. وتشير الاحصاءات الى أنه يموت سنويا في فرنسا 25000 وفي المانيا 16000 بسبب هذا المزمن ، كما يؤدي النواتج التمثيلية إلى تقليل الإستفادة من الفيتامينات والمعادن فتحدث أعراض النقص لها مثل:
أمراض نقص فيتامين (ب 1) مثل البري بري وهبوط القلب وضعف التركيز والإبداع والالتهاب العصبي الكحولي.
مرض الحصاف ( البلاغرا) الناتج عن نقص فيتامين (ب3) (النياسين).
مرض فقر الدم الناتج عن نقص فيتامين (ج) و ( (ب12) وحمض الفوليك.
أمراض نقص عنصر الزنك كالقزمة (قصر القامة) وتأخر البلوغ والنضوج الجنسي وتأخر النمو وضعف الإفرازات الجنسية والاجهاض عند الحوامل وضعف مناعة الجسم.
أمراض نقص فيتامين (أ) كالعشى الليلي وتأثر الإفرازات الجنسية.
يزيد الكحول من نسبة أطراح بعض العناصر الغذائية في البول وخاصة العناصر المعدنية الكبرى كالمغنيسوم والزنك.
(5) الكحوليون يعرضون أنفسهم لنقص المناعة ضد الأمراض.

(6) يقترن تناول الكحول بزيادة نوبات مرض النقرس.

(7) إن 90% من مرض سرطان المعدة هم من الكحوليين وان معظم حالات سرطان الرأس (اللسان وقاعدة الفم والبلعوم والمريء واللوزتين) تكون في المدمنين على الخمر.

(8) حصول التخلف العقلي والتشوه الخلقي في الأطفال الذين يولدون لأمهات مدمنات.

(9) الإسهام بفاعلية في زيادة الأمراض الصدرية وخاصة مرض السل الرئوي والالتهابات الرئوية الحادة.

(10) إن خلايا الجهاز الهضمي هي أكثر تعرضا لخطر الكحول، إذ تتأثر خلايا قشرة المخ المسؤولة عن التفكير والارادة ، كما يؤدي تناول الخمر إلى التهاب الاعصاب الطرفي المتعدد الذي يسبب شلل الأطراف العلوية (اليدين والساعدين) والأطراف السفلية (القدمين والساقين) . ومن هذا كله يظهر لنا جليا ما انطوى عليه تحريم الخمر من حكم جليلة وعظيمة، كما يظهر لنا حجم المعاناة والمأساة التي تعانيها البشرية نتيجة لابتعادها عن حكم الله عز وجل وأمره { أفحكم الجاهلية يبغون ، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} المائدة (50) ، فقد أظهر تقرير لمنظمة الصحة العالمية ، نوفمبر 1978 ، أن " مشكلة تناول الكحول في سائر أنحاء العالم هي من الأهمية بحيث تحتاج إلى عمل ضخم وسريع من قبل منظمة الصحة العالمية" وأشار التقرير إلى أن " المشكلات الناتجة عن تناول الكحول تشكل عائقا هاما في طريق التنمية الاجتماعية والإقتصادية ، باضافة إلى أنها تستهلك كل الإمكانات الصحية لتلك الدول ما لم تتخذ التدابير المناسبة". ()

الباب الثالث

الأغذية الحيوانية المحرمة

قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ، وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم ، وما ذبح على النصب وأن تستقسمها بالأزلام ، ذلكم فسق} المائدة (3). وقال جل من قائل: { فل لا أجذ فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس، أو فسقا أهل لغير الله به ، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم} الأنعام (145) . وقد أثبت العلم الحديث الكثير من الحقائق العلمية التي تؤيد تحريم هذه الأطعمة لما تتضمنه من مفاسد وأضرار على صحة الإنسان:

(1) الميتة:

وهي ما مات حتف أنفه سواء موتا عاديا أو بالشيخوخة أو بالاصابة بالأمراض أو بالذبح دون الإلتزام باذكاة الشرعية: ()

فالموت بسبب الشيخوخة ينجم عن تحلل الأنسجة وتلفها، والذي ينتج عن ضعف طبيعي في الحيوان أو عن مرض غير منظور ، فيحدث ذلك تغيرات في لحم الحيوان ويقلل من قيمته الغذائية وقابليته للهضم ، فضلا عن الأضرار المتعلقة بانحباس الدم .
أما الميتة بسبب مرض من الأمراض الفتاكة التي تصيب الحيوانات مثل السل والجمرة الخبيثة (الانثراكس) وجراثسم السالمونيلا والكلستريديوم وغيرها. فتناول لحوم هذه الحيوانات يشكل خطورة على صحة الإنسان ، لأن الميكروبات المسببة لهذه الأمراض ما تزال متواجدة ونشطة وقد تقوم بإفراز سمومها.
وقد رخص الشارع الحكيم بتناول أنواع من الميتة مثل لحوم السمك والجراد، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أحلت لنا ميتتان : السمك والجراد، ودمان : الكبد والطحال" رواه أحمد والشافعي وابن ماجة والبيهقي والدار قطني.

(2) الدم:

أي الدم المسفوح () ، إذ يعد الحيوان المسفوح من أفضل البيئات لنمو الجراثيم الضارة والممرضة ، لذلك كانت حكمة تحريم تناوله. وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الدم حامل لعدد كبير من الجراثيم والسموم والفضلات الضارة الناتجة عن عمليات الأيض والتمثيل الغذائي وعمليات الهدم والبناء في الأنسجة () . ويؤدي تناول الدم عن طريق الضم إلى ارتفاع اليوريا في دم الإنسان مما قد يؤثر على المخ ويسبب الغيبوبة المفاجئة.

(3) لحم الخنزير:

والخنزير حيوان قذر يعيش على الأوساخ والقاذورات ، وهو ما تأباه النفس السوية وتعافه وترفض تناوله ، لما فيه من إخلال بطبع الإنسان ومزاجه السوي الذي خلقه الله عز وجل فيه {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} التين (4). ولعل من الجدير بالذكر أن تحريم لحم الخنزير كان قطعيا في أية واحدة، بينما كان تحريم الخمر تدريجيا ونزلت آيات تحريمه على ثلاث مراحل، ولعل هذا الأمر يرجع إلى طبيعة العرب آذاك إذ كان الخمر من أكثر الأمور شيوعا في حياتهم ، وكان من الصعب على النفس البشرية التي اعتادت عليه أن تقلع عنه قطعيا خلال فترة وجيزة وبدون تدرج، أما بالنسبة للحم الخنزير فقد كان التحريم قطعيا بغير تدرج لأن العرب لم يكونوا قد تعودوا على تناوله بشكل مستمر.

وقد أجمع العلماء على تحريم جميع أجزاء الخنزير، وذكر الآية للحم الخنزير هو من باب المجاز اللغوي ، إذ أطلق الله عز وجل الجزء ( وهو اللحم) وأراد الكل ( وهو جميع الخنزير) ، لأن اللحم هو الجزء الأهم والمأكول من الخنزير ، وقد أثبت العلم الحديث الحقائق التالية المتعلقة بلحم الخنزير: ()

يعد لحم الخنزير من أكثر أنواع اللحوم الحيوانية التي تحتوي مادة الكوليسترول الدهنية ، والتي تقترن زيادتها في دم الإنسان بزيادة فرص الاصابة بتصلب الشرايين واحتشاء عضلة القلب. كما أن تركيب الأحماض الدهنية في لحم الخنزير تركيب شاذ غريب يختلف عن تركيب الأحماض الدهنية في الأغذية الأخرى، مما يجعل امتصاصها أسهل بكثير من غيرها في الأغذية الأخرى وبالتالي زيادة كوليسترول الدم.
يساهم لحم الخنزير ودهنه في انتشار سرطان القولون والمستقيم والبروتستاتا والثدي والدم .
بسبب لحم الخنزير ودهنه الإصابة بالسمنة وأمراضها التي يصعب معالجتها.
بسبب تناول لحم الخنزير الحكة والحساسية وقرحة المعدة.
بسبب تناول لحم الخنزير الاصابة بالتهابات الرئة والناتجة عن الدودة الشريطية ودودة الرئة والتهابات الرئة الميكروبية.
وتتمثل أهم مخاطر تناول لحم الخنزير في احتواء لحم الخنزير على الدودة الشريطية وتسمى تينياسوليم التي يصل طولها إلى 2-3 متر. ويؤدي نمو بويضات هذه الدودة في جسم الإنسان فيما بعد إلى الإصابة بالجنون والهستيريا في حال نمو هذه البويضات في منطقة الدماغ، وإذا ما نمت في منطقة القلب فإنها تؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم وحدوث نوبات قلبية ، ومن أنواع الديدان الأخرى التي تتواجد في لحم الخنزير دودة التريكانيلا الشعرية الحلزونية المقاومة للطبخ والتي قد يؤدي نموها في الجسم إلى الإصابة بالشلل والطفح الجلدي.

(4) ما أهل لغير الله به:

ويحرم الإسلام أكل كل ما ذبح لغير الله أو ذكر عليه غير اسم الله عز وجل، يقول الله تبارك وتعالى : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} الأنعام (121) ، وهذا الأمر يؤكد ارتباط غذاء الإنسان بعقيدته وأنه جزء من منظومة العبودية لله عز وجل، فالأكل من غير ما ذبح لله دليل على موافقة الأكل لهذا الأمر وإقراره عليه.

(5) المنخنقةوالموقوذة والمتردية والنطيحة :

والمنخنقة: هي التي تخنق فتموت.

والموقوذة: هي التي ضربت بعصا أو بحجر فقتلت.

والمتردية: هي التي تردت من مكان عال فماتت.

والنطيحة: هي التي تنطحها أخرى فتقتلها. ()

والحيوانات في مثل هذه الحالات لا يحل أكلها لأنها ماتت أو قتلت بغير الذكاة الشرعية التي تساعد على خروج الدم الضار من الجسم، ولذلك فهي تحمل الجراثيم الضارة وتؤدي إلى الإصابة بالأمراض ، لذلك كانت حكمة تحريم أكل هذه اللحوم.

(6) ما أكل السبع إلا ما ذكيتم:

والمقصود به هو ما جرحه الحيوان المفترس () ، وتبقى جزء من جثته بعد أكل كفايته منها. ولما كانت الحيوانات المفترسة عادة ما تأكل الجيف الحاملة للجراثيم الممرضة، فإن هذه الجراثيم تنتقل إلى الفريسة الجديدة عن طريق الحيوان المفترس ، فيسبب ذلك حصول الأمراض عن أكل لحومها.

وتجدر الإشارة إلى أن الإسلام حرم أكل لحوم الحيوانات المفترسة والجارحة التي تتغذى على لحوم حيوانات أخرى، مثل السباع والقطط والكلاب، بالاضافة إلى الطيور الجارحة مثل الصقر والنسر والعقاب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله حرم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير" رواه الإمام مالك في الموطأ. وتتميز لحوم هذه الحيوانات بالشدة والقساوة بسبب شد العضلات في جسمها وكبر ححمها ، وذلك لتناسب مع حاجاتها في ملاحظة ومهاجمة الحيوانات ومصارعتها والتغلب عليها لافتراسها ، فيصعب لذلك هضم وبلع هذه اللحوم والاستفادة منها.

(7) تحريم الجلالة :

والجلالة: هي التي تأكل العذرة من الإبل والبقر والغنم والدجاج والأوز وغيرها حتى يتغير ريحها . فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرب لبن الجلالة ، رواه الخمسة إلا ابن ماجة . وإذا ما حبست الجلالة بعيدا عن العذرة وعلفت علفا طاهرا وطاب لحمها جاز أكلها وذهب اسم الجلالة عنها. ()

(8) تحريم المستخبثات والمستقذرات :

يقول تعالى : { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} الأعراف (157) . والطيبات هي ما تستطيبه النفس وتستلذه من غير ورود نص في تحريمه ، فإن استخبثته فهو حرام. ويدخل في الخبائث كل مستقذر مثل البصاق والمخاط والعرق والمني والروث والقمامة، والقمل والبراغيث والحشرات الضارة ونحو ذلك. ()

الباب الرابع

الأغذية المحللة في الإسلام (الطيبات من الرزق)

إن الله عز وجل خلق الإنسان واستخلفه في الأرض، وهيأ له من السبل والوسائل ما تعينه على القيام بحقوق العبودية وواجبات الاستخلاف. فكان أن جعل الله عز وجل للإنسان الطيبات من الرزق، والتي من خلالها يتعرف على نعم الله وعطاياه، ويتمكن من التمتع والتطيب إلى جانب التزود بما يحتاجه جسمه من مغذيات ، قال تعالى : { وفي الأرض قطع متجاورات ، وجنات من نخيل وأعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} الرعد (4) . وقد اشتملت آيات القرآن الكريم على ذكر العديد من الأغذية الطيبة التي تمتاز باحتوائها على العناصر الغذائية اللازمة لنمو الجسم وصيانته ووقايته من الأمراض. ولم يقتصر الأمر على ذكر هذه الأطعمة ، بل تعداه إلى القسم بها، وهو ما يدل دلالة واضحة على أهمية هذه الأطعمة وفائدتها الغذائية والصحية ، وإلا فلم يقسم الله عز وجل بها، فالعظيم لا يقسم إلا بما هو عظيم ، قال تعالى : { والتين والزيتون} التين (1) .

وفيما يلي نبذ عن بعض هذه الأطعمة الطيبة : ()

(1) اللبن (الحليب):

قال الله تعالى : { وإن لكم في الأنعام لعبرة ، نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين } النحل (66) . وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أطعمه الله طعاما فليقل: اللهم بارك لنا فيه وارزقنا خيرا منه، ومن سقاه الله لبنا فليقل : اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإني لا أعلم ما يجزيء من الطعام والشراب إلا اللبن" أخرجه الترمذي وابو داود وابن ماجة وقال الألباني حديث صحيح.

(2) عسل النحل:

قال تعالى : { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال أكنانا ومن الشجر ومما يعرشون، ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا ، يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} النحل (68-69). وقد ورد في الصحيحين من حديث أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أخي يشتكي بطنه، وفي رواية استطلق بطنه، فقال : إسقه عسلا. فذهب ثم رجع فقال : لقد سقيته فلم يغن عنه شيئا. وفي لفظ فلم يزده إلا استطلاقا مرتين ، وثلاثا ، كل ذلك ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " اسقه عسلا" . فقال له في الثالثة أو الرابعة : " صدق الله وكذب بطن أخيك".

(3) الرطب والتمر والبلح:

قال تعالى : { فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منيسا. فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا . وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا. فكلي واشربي وقري عينا} مريم (23-26). وأخرج مسلم في كتاب ألاشربة من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بيت لا تمر فيه جياع أهله" . وأخرج البخاري في كتاب الطب ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من تصبح من تمر العالية لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر".

(4) الزيتون:

قال تعالى : { ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} النحل (11). وقال تعالى مقسما به: {والتين والزيتون} التين (1). واخرج الترمذي في الأطعمة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة" وعنه صلى الله عليه وسلم قال: " ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة" أخرجه ابن ماجة والحاكم وقال الألباني حديث حسن. وروى البحاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: " كلوا وادهنوا به فإن فيه شفاء من سبعين داء منها الجذام".

(5) الأسماك :

قال تعالى: { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ، واتقوا الله الذي إليه تحشرون} المائدة (96) . وروى الإمام أحمد وابن ماجة من حديث عبدالله بن مر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أحلت لنا ميتتان ودمان : السمك والجراد والكبد والطحال" .

(6) التين:

وهو مما أقسم الله عز وجل به : { والتين والزيتون} التين (1). وذكر السيوطي في الجامع الصغير من حديث ضعيف عن أبي الدرداء قال: أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم طبق من تين ، فقال صلى الله عليه وسلم : كلوا ، وأكل منه. وقال : لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة قلت هذه ، لأن فاكهة الجنة بلا عجم ، فكلوا منها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس"

الفصل الثالث

اهتمام الإسلام في الغذاء

الباب الأول

الأمن الغذائي في الإسلام

لقد لفت القرآن الكريم أنظار البشرية إلى أهمية الغذاء في حياة الأمم والشعوب ، وذلك من خلال ربطه بالأمن والاستقرار السياسي. وقد تجلى ذلك المعنى من خلال سورة قريش، حيث أمتن الله عز وجل على قريش بما أفاء عليهم من نعمة الأمن الغذائي { الذي أطعمهم من جوع} ونعمة الأمن والاستقرار السياسي {وآمنهم من خوف} وجعل ذلك من النعم العظيمة التي تستحق الشكر والعبادة لله عز وجل ولا يجوز أن تقابل بالنكران { فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} قريش (4) .

ولم تغفل السنة النبوية عن ذكر أهمية الأمن الغذائي في حياة الفرد والجماعة ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ركنا ثالثا من أركان الحياة الآمنة المستقرة " من أصبح منكم اليوم آمنا في سربه معافا في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بما فيها" رواه الترمذي عن عبيد الله بن حفص الانصاري. كما تجلت نظرة الإسلام إلى الأمن الغذائي في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم من خلال أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإنشاء سوق خاص بالمسلمين وذلك عند قدومه المدينة ، حيث كان سوق المدينة محصورا بأيدي يهود ، مما يشكل تهديدا لأمن المسلمين الاقتصادي والغذائي، ومن ثم السياسي ، وقد عمل الإسلام على وضع الأسس النظرية لتحقيق الأمن الغذائي من خلال حث النبي صلى عليه وسلم على الزراعة وإعمار الأرض وإحياء الموات من الأرض بالزراعة " من أحيا أرضا مواتا فهي له " رواه الترمذي ، " إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليفعل" رواه أحمد عن أنس بن مالك.

فالأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي من الغذاء شرط لازم لحفظ كرامة الأمة وصيانة وحدتها وحماية ديارها ولدرء تحكم الاعداء في مقدراتها وتدخلهم في قراراتها وسياساتها. ولأدل على ذلك صحة هذه النظرية مما نعايشه في هذا العصر، إذ نتج عن العجز في تحقيق الأمن الغذائي لدى المسلمين إلى اعتماد والبلدان الاسلامية على الدول الغربية ، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية ، في توفير غذائها الأساسي (وخاصة القمح)، والذي أدى بدوره إلى استلاب كرامة الأمة وارتهان ارادتها تحت ضغط الدول المصدرة للغذاء. ويقدر حجم الواردات إلى العالم العربي (لوحدة) من الغذاء في عام 2000 م بـ 35 مليار دولار، في الوقت الذي تقدر به المساحات المزروعة في العالم الاسلامي بنحو 400 مليون فدان، وهي تشكل 11% من مساحة الأراضي المزروعة في العالم، وفي الوقت الذي تقدر به نسبة العاملين بالزراعة في الدول النامية (ومعظمها من الدول الإسلامية ) بين 70 إلى 85% من مجموع القوى العاملة، في حين لا يتعدى هذا الرقم 4 إلى 10% في البلدان المتقدمة. () ومن المفارقات المحزنة والمفجعة أنه في الوقت الذي يشكل فيه سكان الولايات المتحدة الأمريكية 7% من سكان العالم، فإنهم ينتجون 50% من الغذاء في العالم.

وتعد سورة يوسف – عليه السلام – من أكثر السور وضوحا ودلالة في عرض نظرية الأمن الغذائي، وقد تجلى ذلك في قصة سيدنا يوسف – عليه السلام- مع عزيز مصر والرؤية التي رآها في منامه. فقد أشارت الآيات الكريمة إلى أهمية حفظالغذاء وتخزينه بطرق مناسبة تمنع فساده، وإلى أهمية الانتاج الزراعي في توفير الأمن الغذائي، وإلى ضرورة ترشيد الاستهلاك الغذائي، وعدم الاسراف به ، بما يتلاءم مع واحتياجات السكان ، وبما يمنع حدوث المجاعة ونقص الغذاء { قال تزرعون سبع سنين دأبا، فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ، ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ، ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون} يوسف (47-49).

وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى السبق الحضاري والاعجاز العلمي في الآيات المذكورة، إذ اشارت إلى حفظ الغذاء في سنبله . وقد دلت الدراسات العلمية الحديثة أن الحفظ بهذه الطريقة يعد من أكثر الوسائل نجاحا ونجاعة في حفظ القمح ، حيث تعمل القشور المحيطة بحبوب القمح في السنبلة على منع مهاجمة القمح من قبل الحشرات الضارة والمؤثرات الجوية الخارجية. ()

الباب الثاني

ضبط جودة الغذاء في الإسلام

يعد الغذاء من أكثر المواد عرضة للفساد، نظرا لما يحتويه من الرطوبة والعناصر الغذائية اللازمة لنمو الأحياء الدقيقة، وذلك في حال عدم تخزينه في ظروف جيدة .

وقد احتوت بعض آيات القرآن الكريم إشارات ضمنية إلى مشكلة فساد الغذاء واحتمال تغير صفاته من لون أو طعم. فقد ورد في سورة البقرة في الآية (259) في معرض قصة صاحب القرية المهجورة {فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه} ، وفي قوله تعالى : {فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } محمد (15) . فأسن الماء وتغير طعم اللبن كلها مؤشرات على فساد الغذاء.

وقد شدد القرآن الكريم على ضرورة إحسان اختيار الغذاء والتأكد من خلوه من الآفات عند التصدق به للفقراء والمحتاجين ، فقال تعالى : { يا ايها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما رزقناكم ومما أخرجنا لكم من الأرض، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } البقرة (267) . كما اشار القرآن الكريم إلى أن الغذاء المتوفر يتفاوت في مدى جودته وسلامة وصلاحيته ، ووجه إلى الاهتمام باختيار الغذاء المتناول، وذلك في قوله تعالى: { فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا} الكهف (19، 18).

أما السنة النبوية ، فقد حفلت بالأدلة على ضرورة الحفاظ على سلامة الغذاء وجودته ومنع غشه والتغرير به ، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه مر ذات يوم على رجل يبيع طعاما، فوضع صلى الله عليه وسلم كفه الشريف أسفل منه فوجده مبلولا فسأل البائع عن ذلك فقال: أصابته السماء (أي المطر) ، فقال صلى الله عليه وسلم : " من غشنا فليس منا " رواه مسلم وابن ماجة والدارمي، كما نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر ( وهو ما كان ظاهره يغري المشتري وباطنه مجهول) رواه الترمذي وابن ماجة واحمد والدارمي، كما نهى عن الملامسة والمنابذة (الشراء دون التعرف على السلعة المطلوب شراؤها).

وفي سيرة الخلفاء الراشدين ، كان في قصة صاحبة اللبن التي أرادت أن تخلطه بالماء خير دليل على حرص المسلمين آنذاك على عدم الغش، إذ كافأ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنة صاحبة اللبن على رفضها الغش بأن زوجها من أحد أبنائه ، وكان أن خرج من نسلهما خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه.

الفصل الرابع

الصــــــــــــــــوم

الباب الأول

صيام رمضان

الصيام عبادة قديمة فرضها الله عز وجل على أمة الإسلام كما فرضها على الأمم السابقة ، وهذا ما دلت عليه الآية الكريمة : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} البقرة (183).

وقد أثار الصيام انتباه ودهشة الأطباء منذ قديم الزمان، حيث ظل الصوم طريقة علاجية تتناقلها أجيال الأطباء. () ففي مرجع طب التبت الكبير " نشجوديش" في القرن السادس قبل الميلاد، خصص فصلا كاملا للصيام تحت عنوان " العلاج بالطعام" و " العلاج بالصوم" . وعرف المصريون القدماء الصوم ، وبشهادة هيرودوت (450 ق.م.) تبين أن المصريين القدماء كانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر ، وكذلك الصوم الكبير لأكثر من شهر من كل عام . كما عرف اليونانيون القدماء فائدة الصيام فنادى (أبو قراط) باتباع الصوم لعلاج الكثير من الأمراض الباطنية والخارجية.

ومع إشراق شمس الإسلام على العالمين، فرض الصوم على المسلمين في السنة الثانية للهجرة، وأصبح بذلك الركن الرابع من اركان الإسلام . ويعرف الصيام في رمضان على أنه الإمساك عن الطعام والشراب والجماع وسائر المفطرات منذ طلوع الفجر حتى مغيب الشمس () تعبدا لله عز وجل وتقربا إليه. كما يشمل الصيام كف الجوارح عن جميع الآثام والمعاصي ، فهو بذلك عبادة روحية وجسدية ترتقي بالإنسان في صحته وروحه وقلبه.

وقد عرف أطباء المسلمين الصوم كعبادة وعلاج في آن واحد ، فكان ابن سينا يفضل الصوم على الدواء ويقول : " إنه الأرخص" ، ويصفه للغني والفقير ، وإبان الحملة الفرنسية في مصر في القرن 18 م ، اتبعت المستشفيات الصيام كعلاج لمرض الزهري، حيث عدوا الصيام قاتلا للجراثيم المسببة للمرض. ()

ومع إطلالة القرن العشرين ، ومع تزايد وتطور أساليب البحث العلمي، فقد حاز الصيام في رمضان على جانب كبير من اهتمام الأطباء والباحثين ، نظرا لما يتضمنه الصيام في رمضان من تغير وتحول في نمط استهلاك الغذاء خلال فترة زمنية محددة ( 29-30 يوما) ، إذ يستدعي ذلك التغير حصول تحولات في مسارات الأيض والتمثيل في الجسم، وحصول تغيرات حيوية تؤثر على صحة الإنسان وجسمه بشكل واضح وملموس. وفيما يلي عرض موجز لأهم التغيرات الايجابية التي تنجم عن الصيام في شهر مضان:

(1) تأثير الصوم على الجهاز العصبي (التأثيرات النفسية والعصبية):

إن المتأمل في فلسفة الصيام في الإسلام يجد أنه لا يعدو عن كونه عملية تربوية تتم فيها تربية النفس وتهذيبها والارتقاء بها عن الولوغ والإغراق في إشباع الشهوات والغرائز، كما أن أدبيات الصيام وأخلاقه تلزم المسلم بالابتعاد عن مظاهر الغضب والانفعال ، عملا بقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم : " إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل : اللهم إني صائم" متفق عليه. وهذا يؤدي بالمسلم إلى الشعور بالسكينة وطمأنينة القلب وانشراح الصدر، فتخرج النفس من ضيق وشدائد الحياة اليومية ومشاكلها ومن ضغوط الحياة وتعقيداتها ، إلى سعة الصدر وانشراح النفس والرضا، وهو ما يؤدي إلى شفاء وتحسن العديد من الإضطرابات والأمراض النفسية والعصبية مثل الاكتئاب والقلق والهوس. () وفي دراسة أجراها الدكتور درادكة في الأردن عام 86-1991 ، تبين أن نسبة الإنتحار خلال شهر رمضان المبارك قد انخفضت بشكل ملحوظ، وذلك بسبب تأثير الجو الإيماني والروحاني لشهر الصيام.

(2) تأثير الصيام على الجهاز الهضمي:

في شهر رمضان تقل حركة الأمعاء وتقل إفرازات العصارة الهضمية والمعوية وغيرها، وبذلك تطول فترة راحة الجهاز الهضمي وتتحسن الكثير من الأمراض المرتبطة بالجهاز الهضمي والتي من أخطرها السمنة ، والأمراض ذات العلاقة بالضغوط النفسية والعصبية مثل تهيج القولون والانتفاخات والتهابات المعدة المزمنة. () ومن أهم الفوائد التي يجنيها الصائم هي تخفيف الوزن والتخلص من الزائد منه. إذا اشارت العديد من الدراسات العلمية الحديثة إلى أن الصوم في رمضان يؤدي إلى التخفيف من وزن الجسم، وذلك بالرغم من الممارسات الغذائية الخاطئة السائدة في شهر رمضان والتي يتوقع أن تؤدي إلى زيادة الوزن لا تخفيفه. () وهذا التخفيف بدوره يحمي الإنسان من الكثير من الأمراض المرتبطة بالسمنة والتي من أخطرها ارتفاع ضغط الدم والسكري (النوع الثاني) والنقرس وانسداد الشرايين واحتشاء عضلة القلب.

(3) تأثير الصيام على الجهاز الدوري (القلب والشرايين):

يعمل الصيام في رمضان على خفض محتوى الدم من الكوليسترول الضار ورفع محتواه من الكوليسترول النافع، الذي يعمل بدوره على إزالة الدهون المترسبة على جدران الأوعية الدموية ، وبالتالي العمل على منع حدوث انسداد الشرايين ومنع حصول احتشاء عضلة القلب. كما ان القلب يرتاح عند الصوم إذ تنخفض ضرباته إلى 60 في الدقيقة . وهذا يعني أنه يوفر مجهود 28800 دقة كل 24 ساعة. ()

ومن أهم فوائد الصيام ، خاصة بالنسبة للمدخنين ، هي قدرة الصيام على التخفيف من كمية السجائر المستهلكة خلال اليوم ، بما سيفيد القلب والشرايين والرئة ويقلل من تعرضها للمواد السامة والمسرطنة الموجودة في السجائر . كما أن التأثير النفسي والتربوي للصيام يساعد الإنسان المردخن على الإقلاع عن التدخين واتخاذ القرار الحازم بذلك ويوفر له الإرادة القوية للإقلاع عنه.

ومن الآثار الإيجابية للصيام أنه يساعد على التخفيف من ارتفاع ضغط الدم عند المرضى المصابين به، إذ إن التقليل من كمية الطعام المتناول يقلل من تناول ملح الصوديوم، والذي يعد المسبب الرئيس لارتفاع ضغط الدم . فقد أكدت دراسة حديثة أن انقاص الوزن بمقدار 5ر4 كغم كان كفيلا يخفض ضغط الدم عند مرضى ارتفاع ضغط الدم المتوسط والمنخفض. ()

(4) الصوم وعلاج الأمراض:

بالاضافة على دور الصيام في علاج والتخفيف من أمراض السمنة وما يرافقها من أمراض ثانوية مثل ارتفاع كوليسترول الدم وارتفاع الضغط ، فإن لصيام رمضان دور في علاج أمراض أخرى مزمنة وشائعة بين الناس وخاصة في مجتمعاتنا العربية مثل النقرس ومرض السكري (النوع الثاني) . وسنتناول بإيجاز دور الصيام في رمضان في التخفيف من هذا المرض:

يعد مرض السكري من أكثر الأمراض شيوعا وانتشارا في العالم، وهو مع ذلك من أخطر الأمراض والتي قد تؤدي في حال تضاعفها إلى الإضرار بحياة الإنسان وتهديدها . ومن المعلوم أن مرض السكري، وخاصة النوع الثاني أو ما يسمى بسكري الكبار ، يرتبط ارتباطا وثيقا بالغذاء التي يتناوله الإنسان من حيث الكم والنوع.

وقد عرف الصوم كعلاج لمرض السكري ، واتبع ذلك في ألمانيا وأمريكا أواخر القرن الماضي وأوائل القرن العشرين، وكان يطبق على مرضى السكري في الحالات المتوسطة ، ويتضمن الإمتناع الكامل عن تناول الطعام لمدة 2-3 أيام () . وقد وجد فيما بعد أن هذا النوع من الصيام (الصيام الطويل) يؤدي إلى آثار صحية جانبية مثل ارتفاع محتوى بعض المواد الضارة في الدم . لذلك كان صيام رمضان صياما مثالثا بمنع حدوث مثل هذه الآثار الجانبية بسبب قصر فترة (16-19) ساعة / يوم ، ولأنه يسمح فيه بتناول الطعام بعد فترة الصيام .

وقد أثبتت الدراسات العلمية الحديثة أن 30% من مرضى السكري يمكن السيطرة على مرضهم بواسطة اتباع نظام غذائي معين دون استعمال أي من العقاقير كالإبر والحبوب . لذلك كان الصوم في رمضان ذو فائدة كبرى في السيطرة على مرض السكري.

الباب الثاني

حكمة الإفطار في رمضان على التمر

عن سليمان بن عامر الضبي رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور" رواه الترمذي وأبو داود، وعن أنس رضي الله عنه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات ، فإن لم تكن رطبات فتميرات ، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء" رواه أحمد ومسلم في صحيحه وأو داود والترمذي وابن ماجة.

وهنا تظهر الحكمة النبوية الشريفة في الإفطار على مادة سكرية كالتمر قبل أداء صلاة المغرب، لأن التمر يحتوي على نسبة عالية من السكريات التي لا تحتاج إلى عمليات هضم معقدة لتتحول إلى مواد أخرى، كما يحدث في هضم النشويات ، ولذا فالمواد السكرية تعوض الجسم عن نقص السكري في الدم أثناء الصوم وتزيل كافة الأعراض الناتجة عن نقص السكر. () ومن حكم وفوائد الإفطار على التمر:


المعدة لا ترهق بما يقدم إليها من غذاء دسم وفير، بعد أن كانت هاجعة طيلة ثماني عشرة ساعة تقريبا ، بل تبدأ عملها بالتدرج في هضم التمر السهل الامتصاص ، ثم بعد نصف ساعة يقدم إليها الإفطار المعتاد.

تناول التمر أولا يحد من جوع الصائم وإقباله على الطعام، فلا يقبل على المائدة بنهم شديد.

المعدة تستطيع هضم المواد السكرية في التمر خلال نصف ساعة ، فإذا بالدم يزود الجسم بالوقود السكري الذي يبعث في خلاياه النشاط ، فيزول الإحساس بالدوخة والتعب سريعا. ()
وبهذا الخصوص يقول الإمام ابن قيم الجوزية : " وفي الفطر على التمر تدبير حسن لأن الصوم يخلي المعدة من الغذاء فلا يجد الكبد ما يجذبه ويرسله إلى القوى العاملة، والحلو أسرع الأشياء في الوصول إلى الكبد واحبها إليه، ولا سيما إذا كان البلح رطبا فيشتد قبوله إلى الكبد فينتفع به ويرسله إلى القوى العاملة بسرعة، وتعوض الجسم عنه نقص السكر في الدم أثناء الصوم وتزيل الأعراض الناتجة عن نقص السكر في الدم أثناء الصوم مثل عدم التركيز ، وعدم القدرة على الحركة ، والشعور بالضعف والكسل وزوغان البصر" . ()

الخلاصة :

إن الإسلام وبما يمثله من رسالة عالمية شمولية جاءت لنظم حياة البشر قد احتوى على جملة من الأسس والمباديء العامة التي تنظم تعامل الإنسان مع الغذاء من حيث ترشيد النظرة إليه والدعوة إلى الاقتصاد وعدم الإسراف في تناوله والاعتدال فيه، إلى جانب الحث على ضمان جودته وسلامته وعدم الغش به.

ولم يقتصر دور الإسلام على ذلك، بل تعداه إلى تأسيس نظام صحي وغذائي يضمن تحقيق سلامة الإنسان وحفظ صحته. كما وجه إلى ضرورة تأمين احتياجات الإنسان منه، وهو ما عرف يما بعد بالأمن الغذائي. وقد تضمن صوم رمضان وما يرافقه من آداب وأحكام حفظ صحة الإنسان وإبعاده عنه السمنة وما تبعها من أمراض تهدد حياته وتعرضها للخطر.

وقد حفل القرآن الكريم والسنة النبوية بذكر العديد من الأغذية الطيبة النافعة ، بالاضافة إلى ذكر الأطعمة المحرمة الضارة التي أثبت العلم الحديث خطورتها وضررها على صحة الإنسان وسلامته.

وقد حظيت مسألة الرزق بتكفل الله تعالى بها، فالاستقرار والاطمئنان من أعظم نعم الله تعالى لا تتيسر إلا بالأمن الغذائي، وعدم تبذيره والإسراف فيه ، لأن الانحلال الخلقي يسبق الإنهيار الإقتصادي العلاقة بينهما تلازمية ، قال تعالى : { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين}.

وللمسلم نظرة خاصة للغذاء ، فهو لا ينظر إليه كما ينظر إليه غيره من ناحية شهوانية أو دنيوية ، وإنما ينظر إليه على أساس تعبدي يعينه على عبادة ربه تعالى ، كما قال صلى الله عليه عليه وسلم " نحن قوم لا نكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع" ، فالمسلم ليس بالنهم ولا بالشهواني فالغذاء عامل مساعد على القيام بالواجبات واسداء الحقوق الى أهلها " وإن لبدنك عليك حقا".

المراجع

القرآن الكريم
تغذية الإنسان ، حامد التكروري وخضر المصري، دار حنين للنشر والتوزيع.
الغذاء والتغذية في الإسلام ، منظمة الأغذية والزراعة العالمية ، المكتب الإقليمي للشرق الأدنى ، 1999.
دواء من القرآن والسنة ، تأليف حسام الدين أبو السعود، كتاب اليوم الطبي، العدد رقم 201، 1998.
الصوم علاج للمرض ووقاية للأصحاء ، غازي إنعيم، مجلة بلسم الطبية ، العدد 294، كانون الأول ، 1999.
لماذا يبدأ الأفطار في رمضان بالتمر؟ نائلة إنعيم ، مجلة بلسم الطبية، العدد 294، كانون الأول، 1999.
الصيام وتأثيراته على الأمراض ، إعداد اللجنة العلمية في المستشفى الإسلامي، النشرة رقم (11).
الصيام في ميزان البحث العلمي، حسان شمسي باشا، مجلة العربي، العدد 435 ، فبراير 1995، وزارة الثقافة والإعلام الكويتية.
في ظلال القرآن ، سيد قطب ، المجلد الرابع، دار العربية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.
فقه السنة ، سيد سابق، الجزء الثالث، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ، 1997.
المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ، محمد فؤاد عبدالباقي، مطبعة دار الكتب
المصرية، القاهرة.
. موسوعة الغذاء ، الاتحاد العربي للصناعات الغذائية ، المجلد الأول.
الطب النبوي ، ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان.
أضواء على مشكلة الغذاء بالمنطقة العربية ، دار الكتب القطرية ، وزارة الأوقاف القطرية ، 1999، (كتاب الأمة 68).
_

النظام الغذائي في القرآن د-النابلسي



بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة :
المذيع :
 مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من الكلمة الطيبة ، يقول عز وجل في محكم كتابه العزيز :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168)﴾
(سورة البقرة)
 مشاهدينا الكرام : من مظاهر الإعجاز العلمي في القرآن الكريم الآيات الواردة في الطعمة والشربة ، فقد أحل القرآن أصنافاً من الأطعمة والأشربة ووصفها بالطيبة ، كما حرم أصنافاً أخرى ووصفها بالخبائث ، وقد أثبت العلم الحديث أن كل الأطعمة والأشربة التي أحلها القرآن الكريم ، واعتبرها رزقاً طيباً ، مفيدة للإنسان جسداً وروحاً ، وأن الأطعمة التي حرمها مضرة للإنسان جسداً وروحاً كذلك .
ترحيب حار بالدكتور محمد راتب النابلسي :
 في هذه الحلقة يسرني أن أستضيف الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ مادة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة ، في كليات الشريعة وأصول الدين بدمشق ، لنتعرف من خلال الحوار معه عن الإشارات القرآنية للنظام الغذائي وفوائد الأطعمة والأشربة التي ذكرها القرآن الكريم ، ومدار عدد من الأطعمة التي حرمها القرآن الكريم ، وهل في القرآن الكريم نظام غذائي كامل يمكن الاستفادة منه لتحقيق الصحة والسلامة الجسدية والنفسية ؟
 أهلاً بكم دكتور ، يلاحظ أن القرآن الكريم فيه آيات كثيرة ، أشارت إلى مجموعة أو عنوان من الأطعمة أو الأشربة سواء في الدنيا أو في الآخرة ، كذلك تحدث القرآن الكريم بتحليل مجموعة من الأطعمة وتحريم أصناف أخرى من الأطعمة ، دكتور في البداية لو نتعرف كيف نفهم ، أو أين نضع هذه الآيات في مجال التشريع والإعجاز التشريعي في القرآن الكريم في مجال الغذاء ؟
الأصل في الأشياء الإباحة و الأصل في العقائد والعبادات الحظر :
الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صاحبته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .
 الحقيقة الأولى أن الأصل في الأشياء الإباحة ، ولا يحرم شيء إلا بالدليل القطعي والثابت ، أما الأصل في العقائد والعبادات الحظر ، ولا تشرع عبادة إلا بالدليل القطعي والثابت ، إذاً حينما قال الله عز وجل :
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ﴾
( سورة البقرة الآية :29 )
﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ (32)﴾
( سورة الأعراف )
 إذاً الأصل في الأشياء الإباحة ، وحينما قال الله عز وجل :
﴿ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ (19)﴾
( سورة الأعراف )
 أي نسبة المحرمات من الأطعمة لا تكاد تكون واحد بالمليون ،
﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾
 هذه الشجرة واحدة .
العلاقة بين الأمر والنهي والعلاقة بين الأمر ونتائجه وبين النهي ونتائجه علاقة علمية :
 إذاً إذا قلنا الحلال كل شيء حلال عدا ما حرم الله عز وجل بمادة أو مادتين لا تزيد ولا تنقص ، فلذلك الأصل في الأشياء الإباحة ولا يحرم شيء إلا بالدليل القطعي والثابت، لكن الحقيقة الدقيقة والخطيرة أن العلاقة بين الأمر والنهي والعلاقة بين الأمر ونتائجه وبين النهي ونتائجه علاقة علمية ، بمعنى لو أن طفلاً وضع يده على المدفأة ، العلاقة بين وضع يده واحتراق اليد وهي مشتعلة علاقة علمية ، أي علاقة سبب بنتيجة ، أما إذا منع الأب أولاده أن يخرجوا من باب معين فخرج أحدهم فضربه لا يوجد علاقة علمية بين خروج إنسان من باب وضع للخروج لكن الأب منعه وضعاً ، لذلك هناك علاقة علمية وعلاقة وضعية .
 أتصور أنا أن كل شيء أمر الله به العلاقة بينه وبين نتائجه علاقة علمية ، وأن كل شيء نهى الله عنه العلاقة بين النهي والنتائج علاقة علمية ، فلذلك بدافع محبة الذات ، بدافع حب وجود الإنسان ، بدافع حب سلامة وجوده ، بدافع حب كمال وجوده ، بدافع حب استمرار وجوده ، ينبغي أن يتبع تعليمات الصانع ، أي بكلمة قد لا تقال دائماً بدافع أنانيته ينبغي أن يتبع تعليمات الصانع ، لأن هذه التعليمات التي جاء بها القرآن الكريم من عند الواحد الديان ، من عند العليم ، من عند الخبير ، وهذه التوجيهات النبوية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم ليست من خبراته ، ولا من تجاربه ، ولا من ثقافته ، ولا من اجتهاده ، ولا من معطيات عصره ، إنها وحي يوحى :
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)﴾
( سورة النجم )
الخلل في الإنسان نفسه لأنه يغير خلق الله عز وجل :
 لكن النقطة التي ينبغي أن نبدأ بها هذه الحلقة حينما قال :
﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78)وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)﴾
( سورة الشعراء )
 عزي المرض إلى الإنسان ، لأن الإنسان خلق في أحسن تقويم ، لكن هو حينما يغير خلق الله ، حينما يأكل أطعمة محفوظة من أمد طويل ، حينما يلغي الخضار الطازجة من حياته ، حينما يلغي الفواكه يكتفي بالعصير مثلاً ، حينما يغير أصل التصميم ، تقع مشكلة .
المذيع :
 الخلل هو الإنسان نفسه .
الدكتور راتب :
 عزي المرض إلى الإنسان أو إلى العصر الذي نعيش به .
المذيع :
 هل نستطيع أن نتحدث عن إعجاز تشريعي من خلال هذه الإشارات ، أو الآيات الواردة في مجال التربية ونحن طبعاً نتحدث بالتفصيل عن ذلك ؟ تفضل .
الإشارات والتوجيهات الصحية تتعلق تارة بالعبادة التعاملية وتارة بالإعجاز العلمي :
الدكتور راتب :
 إن صحّ أن هناك مثلثاً قسم إلى أربعة أقسام ، القسم الأول هو العقائد ، إن صحت العقيدة صح السلوك وسلم الإنسان وسعد في الدنيا والآخرة ، والقسم الثاني العبادات الشعائرية من صلاة ، وصوم ، وحج ، وزكاة ، القسم الثالث : عبادات تعاملية ، المعاملات ، وتندرج هذه الآيات التشريعية المتعلقة بالغذاء في القسم الثالث في العبادات التعاملية ، والقسم الرابع الآداب ، آداب الطعام ، آداب الشراب ، آداب عيادة المريض ، فنحن عندنا عقائد وعبادات ومعاملات وآداب ، هذه تدرج في القسم الثاني لكن لها زاوية ثانية ، النبي صلى الله عليه وسلم جاء لكل البشر :
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾
( سورة الأنبياء )
 كتابه خاتم الكتب ، فلذلك معجزة النبي تتميز بأنها علمية وليست حسية ، الأنبياء السابقون جاؤوا لأقوامهم معهم معجزات حسية ، هذه المعجزة الحسية كعود الثقاب ، تتألق وتنطفئ ، وتبقى خبراً يصدقه من يصدقه ويكذبه من يكذبه ، لكن لأن هذا الكتاب المعجز كتاب إلى نهاية الحياة وخاتم الكتب ، ولأن هذا النبي الكريم آخر الأنبياء والمرسلين ولأنه للناس كافة :
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾
( سورة الأنبياء )
 إذاً ينبغي أن تكون معجزته مستمرة إلى نهاية الحياة ، ولن تكون مستمرة إذا كانت حسية ، ينبغي أن تكون علمية ، فلذلك في القرآن الكريم إشارات كثيرة جداً قد تزيد عن ألف وثلاثمئة إشارة ، كل هذه الإشارات تبين أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن الكريم، فهذه الإشارات والتوجيهات الصحية تتعلق تارة بالعبادة التعاملية ، وتارة بالإعجاز العلمي .
المذيع :
 إذاً نستطيع أن نتحدث ولو أن المفسرين لم ينتبهوا إلى ذلك ، واعتبروها عبارة عن إخبار ، وليست آداباً أو توجيها .
توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم المذهلة إنما هي وحي يوحى :
الدكتور راتب :
 توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم المذهلة أنه نهانا عن قطع رأس الدابة أثناء ذبحها ، لما لا نعلم ، لا يوجد مركز علمي في الأرض يستطيع أن يفسر حكمة هذا الأمر ، لا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا بعد مئة عام ، ولا بعد خمسمئة عام ، ولا بعد ألف عام ، ولا بعد ألف و أربعمئة عام ، قبل عقدين من الزمن ظهرت الحقيقة هو أن القلب ينبض ثمانين نبضة بأمر من مركز كهربائي ذاتي ، لو تعطل هذا المركز هناك مركز احتياطي ثان، لو تعطل الثاني ، هناك مركز احتياطي ثالث ، لأن القلب عضو نبيل تتعلق به الحياة لا يمكن أن يكون تحت رحمة الشبكة العامة ، له كهرباء خاصة ، لكن هذه الكهرباء الخاصة في القلب لا تعطي إلا ثمانين نبضة فقط ، والإنسان يحتاج في حياته أحياناً إلى مئة وثمانين نبضة ما الذي يحصل لا بدّ من التوضيح ، أنا أمشي في بستان ، وجدت أفعى ، ما الذي حصل ؟ انطبعت صورة الأفعى على شبكية عيني ، هنا لا تقرأ الصورة ، تنتقل إلى الدماغ ، في مركز الرؤية ملف الثعابين ، جاء من تجربته ، من قراءاته ، من معلوماته ، من قصص سمعها ، هذا الملف ملف الثعابين في الدماغ مع مركز الرؤية يفسر هذه الصورة ، فالدماغ ملك الجهاز العصبي يدرك أن هناك خطراً ، يلتمس من ملكة اسمها الغدة النخامية ، ملكة الجهاز الهرموني ، هذه الملكة وزنها نصف غرام ، تفرز ثمانية هرمونات ، لو تعطل أحد هذه الهرمونات لأصبحت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق ، فالملك الدماغ يلتمس من الملكة أن تواجه الخطر عندها وزير داخلية هو الكظر فوق الكليتين ، تعطي هذه الملكة صغيرة الحجم كبيرة المفعول أمراً إلى وزير داخليتها ، أن واجه الخطر ، هذا الكظر يرسل أمراً هرمونياً إلى القلب ، يرفع النبض لمئة وثمانين نبضة ، و يعطي أمراً هرمونياً إلى الرئتين ليزداد وجيب الرئتين ، و أمراً ثالثاً إلى الأوعية المحيطة ، تضيق لمعتها فيصفر لون الخائف ، و أمراً رابعاً إلى الكبد لإطلاق كمية سكر إضافية ، و أمراً خامساً إلى الكبد لإطلاق هرمون التجلط ، هذا يتم بثوان ، الشاهد إذا ذبحت الدابة وقطع رأسها تعطل الأمر الاستثنائي لرفع النبض لمئة وثمانين نبضة ، فلا يخرج إلا ربع الدم ، وتبقى الدابة زرقاء اللون ودمها فيها ، أما إذا بقي رأسها موصولاً بها يعمل الأمر الاستثنائي عن طريق الدماغ ، الغدة النخامية ، الكظر ، إلى القلب برفع إلى مئة وثمانين نبضة ، عندئذ يخرج الدم كله من الحيوان يصبح هذا اللحم أزهر اللون .
المذيع :
 أنا أسألك من المحرمات ، الدم والميتة كذلك .
الدكتور راتب :
 إلا أن الدم المسفوح ، الدم المحرم مقيد أنه مسفوح ، الدم في الجسم يصفى باستمرار عن طريق الكليتين ، هناك تصفية مستمرة ، أما إذا سفح الدم فهو دم مؤذٍ جداً ، فيه كل الجراثيم والأمراض مجتمعة في الدم ، لهذا حرمه الله علينا بل حرم بقاءه في الدم ، الدابة التي لم تذكَ لا تؤكل .
المذيع :
 هناك ملاحظة أخرى هو عندما نطّلع على هذه الآيات التي تتحدث عن الأطعمة ، القرآن يصف الأطعمة الحلال بأنها طيبة والأطعمة المحرمة بأنها رجز وخبيثة .
العلاقة بين الطعام الطيب وبين نتائجه علاقة علمية تطيب به النفس :
الدكتور راتب :
 يا سيدي العلاقة بين الطعام الطيب وبين نتائجه علاقة علمية ، تطيب به النفس ، طعام حلال أي طعام طيب بمعنى سمح الله بأكله ، ما دام الخالق الخبير العليم قال :
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
( سورة فاطر )
 سمح بأكله إذاً هو طعام طيب تطيب به النفس ، لكن الحلال له وضع ثان ، قد تأكل أطيب الطعام سمح الله به إن لم تدفع ثمنه فهو طعام حرام خبيث تخبث به النفس ، تفضلت في المقدمة أن هناك فوائد جسمية وروحية ، الطعام الحلال الذي اشتري بمال حلال هو طعام طيب ، تطيب به النفس في علاقتها بربها ، أما الطعام ولو كان في الأصل حلالاً لكن اشتري بمال حرام ، بني على أخذ أموال الناس بالباطل ، لا تطيب النفس في علاقتها مع ربها به ، أنا أريد طعاماً تطيب به النفس جسماً ونفساً .
المذيع :
 الطيب إذا رجعنا إلى القرآن الكريم يقول :
﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ (26)﴾
(سورة النور)
 لها بعد روحي ، كلمة طيبة وإنسان طيب .
الطيب من الشيء أحسنه :
الدكتور راتب :
 هناك عمل طيب ، الطيب ـ كما قال علماء اللغة ـ من كل شيء أحسنه ، الطيب من الشيء أحسنه ، إنسان طيب ، هناك طعام طيب ، وهناك لقاء طيب ، وهناك بيت طيب تقام فيه العبادات ، الطيب من كل شيء أحسنه ، فلذلك الطعام الطيب هو الذي سمح الله به أولاً ، واشتري بمال حلال ، والدليل :
(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
 الطعام الطيب ما سمح الله به أولاً ، الطعام الطيب ما اشتري بمال حلال ، العلماء قالوا : حلال لذاته أو حرام لذاته و حرام لغيره ، حرام لذاته الخنزير محرم أكله ، أما لو اشترى الآن لحم غنم حلال بمال حرام صار محرماً ، فإما أن يحرم الشيء لذاته أو لغيره .
المذيع :
 هنا الأمر اختلف قد يكون كما تفضلتم فليكن الطعام حلالاً ولكن اشتري بمال حرام يصبح معنوياً .
الحلال و الحرام :
الدكتور راتب :
 الحقيقة ما هو المال الحرام ؟ هو مال يعد منفعة بني على مضرة كالسرقة ، كالقمار ، كاليانصيب ، كل مال أخذ بناء على مضرة ، ما المال الحلال ؟ منفعة بنيت على منفعة ، تاجر فتح محلاً تجارياً بحيّ من أحياء المدينة ، جاء ببضاعة جيدة ، باعها بسعر معتدل ، زاد على رأسماله مبلغاً بسيطاً ليعيش منه ، وانتفع وكل من حوله انتفع بهذه البضاعة الجيدة بسعر معتدل ، فإذا قلنا ما الحلال ؟ هو مال جني من منفعة تقابل منفعةً ، أما أي منفعة بنيت على مضرة فهي مال حرام ، فالطعام الذي سمح الله بأكله وهو حلال في الأصل إذا اشتري بمال حرام يصبح حراماً ، يقول العبد : يا رب ويا رب ، مأكله حرام ، ومشربه حرام وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب له ؟
(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
المذيع :
 هنا المضار الأخرى ، المضار الروحية للطعام الحلال ، كما تفضلتم حلال ولكن اشتري بمال حرام .
الدكتور راتب :
 ما دام اشترى هذا الطعام بالمال حرام أو لم يدفع ثمنه أخذه واستغل غفلة البائع لم يدفع ثمنه أصبح حجاباً بينه وبين الله .
المذيع :
 قد لا يكون مضراً على مستوى الخمر ، ولكن قد يكون مضراً .
الدكتور راتب :
 لحكمة بالغة حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم :
(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
 معنى هنا الطعام الطيب ليس الطعام اللذيذ ، الطعام الطيب الذي اشتري بمال حلال ، قد تأكل أخشن طعام ، وأسوأ طعام ، اشتري بمال حلال وهو عند الله طيب ، وقد تأكل طعاماً كلف آلافاً مؤلفة ، لكنه اشتري بمال حرام ، أو لم يدفع ثمنه ، فهو طعام عند الله خبيث وحرام .
المذيع :
 عند وصف المحرم بأنه رجس ، هناك إشارة بأن الأوثان رجس وأن الشرك رجس ، كيف نفهم هذه ؟
الرجس و النجس :
الدكتور راتب :
 قالوا : الرجس هو النجس ، نجس لذاته لا لغيره ، بمعنى الشيء النجس يطهر ، أما النجس لا يطهر ، كذلك الرجس شيء يحجب عن الله كلياً ، الشرك بالله الطريق إلى الله غير سالك ، هناك ذنب يغفر ما كان بينك وبين الله ، وذنب لا يترك ما كان بينك وبين العباد، حقوق العباد مبنية على المشاححة ، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة ، لكن الذنب الذي لا يغفر الشرك وهو الرجس لأن النجس لا يطهر ، هو عين النجاسة ، أنا أطهر إناء نجساً أغسله جيداً سبع مرات ، أما النجس نفسه لا يطهر ، أخطر شيء أن تأكل طعاماً يحجبك عن الله ، مرة سألني إنسان لماذا الخنزير محرم ولماذا خلقه الله أصلاً ؟ خطر في بالي أن في البيت مكنسة ، هذه تؤكل ؟ قد يقول أحدهم لماذا اشتراها صاحب البيت ؟ اشتراها ليكنس بها الأرض ، وكذلك الخنزير أطيب طعام عنده الجيف ، حينما تموت قطة أو كلب في الفلاة رائحتها لا تحتمل ، يأتي الخنزير ويأكلها كأطيب طعام ، يأكل الجرذان الميتة ، يأكل الخنازير، الخنزير مهيأ لحل مشكلة في الأرض لا لأكله ، وأحياناً الحرام يأتي من سوء الحرام .
المذيع :
 سنتحدث عن ذلك ونعود ، بالنسبة للأطعمة الحلال نجد أن القرآن الكريم أشار إلى مجموعة من الأطعمة ، في سياق آيات وأحاديث خاصة ، واعتبرها أطعمة ذات فائدة مهمة ، مثل التين والزيتون ، سؤالنا أولاً قبل أن نتحدث عن هذه الأطعمة ، لماذا اختصر القرآن الكريم فقط على هذه الأصناف ولم يذكر أصنافاً أخرى مع أن الأطعمة كثيرة جداً ؟
النظام الغذائي في القرآن الكريم و من هذه الأغذية :
1 ـ القمح :
الدكتور راتب :
 هناك اجتهاد في تفسير هذه الآيات ، أن هذه الأصناف لها ميزات كبيرة جداً ، مثلاً القمح جاء في القرآن الكريم كالسنابل ، معلوماتي الدقيقة أن هذه القمحة لها وزن ، لها غلاف خارجي ـ قشرة خارجية ـ ولها رشيم ، ولها قشرة داخلية ، مجموع هذه الأشياء الثلاثة لا تزيد عن أربعة عشر في المئة من وزنها ، لكن كل الفيتامينات وكل المعادن وأشباه المعادن وكل الفوائد في هذه الأربعة عشر جزءاً من مئة غرام ، مثلاً هناك ستة فيتامينات بالقشرة ، هناك مادة فسفورية تعد غذاءً للدماغ ، في الحديد يهب الدم قوة وسلامة ، في الكالسيوم يبني العظام ، السيلكون من أجل الشعر ، اليود للغدة الدرقية ، البوتاسيوم والصوديوم والمغنيزيوم ، كل هذه المعادن وهذه الفيتامينات كلها في القشرة نطعمها للدواب ونأكل النشاء وهو غراء جيد للمعدة ، وقد قيل : احذروا الأغذية البيضاء الثلاث ، الطحين الأبيض والسكر الأبيض والملح الأبيض ، نحن نعطي الدواب أفضل ما في القمح ، الفيتامينات الستة ، وكل هذه المعادن موجودة في قشر القمح ، ننخل القمح ونعطي هذه القشور للدواب ونأكل الغراء الذي يسبب متاعب لا تنتهي في جهاز الهضم ، مع أن هذا القشر لا يمكن أن يسبب إمساكاً ، والإمساك يسبب خمسين مرضاً بالإنسان ، لا يمكن أن يكون إمساك مع تناول القمح بقشره ، أي النخالة ، و النبي صلى الله عليه وسلم ما أكل خبزاً منخولاً أبداً ، بل قال بعضهم : أول بدعة ابتدعها المسلمون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم نخل الدقيق ، الله عز وجل صمم هذا القمح لنأكله بكامله ، إذاً هناك معادن ، فيتامينات ، مواد هذا بالقمح ، فهذا من إعجاز القرآن الكريم ، جعل هذا القمح غذاءً كاملاً .
2 ـ الحليب :
 القمح والحليب ، الحليب النبي صلى الله عليه وسلم :
(( اللَّهمَّ بارك لنا فيه وزِدْنَا منه ))
[ ابن ماجه عن ابن عباس]
 الغدة الثديية في البقرة عبارة عن قبة يجري فوقها شبكة أوعية دموية دقيقة جداً ، الخلية الثديية حتى الآن لا يعرف كيف تختار من الدم الفيتامينات ، والمعادن ، والمواد الدسمة، والشحوم ، والبروتينات ، نسب رائعة جداً تتناسب مع حاجة الإنسان ، هذه الغدة الثديية ترشح نقطة حليب تتجمع في ثدي البقرة في الضرع ، هذا الضرع لئلا يتمزق مدعم من الداخل بجدارين متعاكسين ، في أربع حلمات ، لو أن لكل شاب أربعة أخوة لهم بقرة ، يأخذ كل شاب من إحدى الحلم ربع الكمية تماماً ، وحتى الآن لا أحد يعلم هذه الغدة الثديية كيف تأخذ من الدم ما يروق لها ، فوقها يجري الدم ، بل قال بعض العلماء : أربعمئة حجم من الدم يساوي حجم حليب واحد . فالحليب من آيات الله عز وجل :
﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66)﴾
( سور النحل )
 الغدة الثديية هناك دم ، وهناك فرث ، أي هناك مواد ضارة ، يطرحها الإنسان عن طريق الكليتين ، فهذه الغدة الثديية تأخذ من الدم ما يناسبها .
﴿ٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴾
.
المذيع :
 سنقف مع فاصل ونتابع هذا الحوار ، أهلاً بكم مجدداً لنتابع هذا الحوار مع الدكتور محمد راتب النابلسي عن النظام الغذائي في القرآن الكريم ، دكتور الآن قبل الفاصل تحدثنا عن القيمة الغذائية للقمح وكذلك الحليب ، لماذا القرآن الكريم أشار إلى هذه الأغذية ولم يشر إلى أغذية كبيرة جداً ، وهناك من الأغذية والأطعمة القرآن الكريم أشار إلى فائدتها مثل العسل ، قال : فيه شفاء للناس .
3 ـ العسل :
الدكتور راتب :
 الحقيقة أن العسل صيدلية ، تقريباً يوجد سبع وستون مادة غذائية من أعلى مستوى، وكيلو العسل يحتاج إلى طيران أربعمئة ألف كيلو متر ، لو أن نحلة واحدة طارت حول محيط الأرض أربعمئة ألف مرة تصنع كيلو عسل ، العسل كما قال الله عز وجل عنه :
﴿ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ (69)﴾
( سورة النحل )
 كلمة شفاء أي شيء من خالق الكون ، شيء مذهل ، الحقيقة مجتمع النحل من آيات الله الدالة على عظمته ، النظام الاجتماعي فيه مذهل ، فيه عاملات وفيه ملكة وفيه ملك وفيه لكل عاملة وظيفة ، وفيه عاملات حارسات ، و فيه عاملات منشطات ، و فيه عاملات للتهوية ، وعاملات للتنظيف ، وعاملات لثقب الجدران ، وعاملات للصيد ، هذا العسل أولاً لا يقبل الفساد إطلاقاً .
 شيء آخر : لا يفسد ، فتركيز المادة السكرية فيه عالية جداً ، بحيث لو أن جرثوماً وصل إليه لامتصه ، هو معقم ، الآن في العمل الجراحي يضعون العسل على الجرح، يسرع التئام الجرح به ، العسل فيه سكريات ، فيه فيتامينات ، فيه معادن ، فيه أشباه معادن ، فيه تفصيل له مذهل ، هذا من خلق الله عز وجل ومن آيات الله الدالة على عظمته ، هو الغذاء ، فيه شفاء وآلية العمل في مملكة النحل ، النحلة لا يمكن أن تدخل لغير خليتها السبب أن هناك كلمة سر لكل خلية ، فلو لم تحفظ هذه الكلمة تقتل ، فلا بد من حفظ هذه الكلمة ، ومن حين لآخر تبدل كلمات السر ، هناك آلاف الخلايا في الحقل ما من نحلة إلا وتدخل إلى خليتها عن طريق كلمة السر . 
المذيع :
 نظام دقيق جداً .
الدكتور راتب :
 نظام دقيق جداً ، وهناك ملكة مشرفة ، حينما تحمل من الذكر تضع بيوض الملكات في مكان ، وكأنها تعلم مسبقاً ما الذي سيكون من نتاج هذه الولادة ، تضع الذكور في مكان والعاملات في مكان ، من آيات الله الإعجازية في النحل أن الله عز وجل قال ، النحلة جاءت مؤنثة :
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا(68)﴾
(سورة النحل)
﴿ اتَّخِذِي ﴾
 فخوطبت النحلة ، ياء مؤنثة مخاطبة ، من كان يعلم وقتها أن التي تصنع العسل هي أنثى ؟ هذا من إعجاز القرآن الكريم ، وهناك مؤلفات في مصر اطلعت عليها ، كتاب بأكمله عن إعجاز الآية ، كلمة كلمة حرف حرف ، نحن نريد التفصيل لكن الوقت لا يسمح .
المذيع :
 هذا بالنسبة للعسل ، كذلك التين والزيتون .
4 ـ الزيت :
الدكتور راتب :
 شيء مذهل النبي صلى الله عليه وسلم قال :
((كلوا الزيت فإنه مبارك وائتدموا به وادهنوا به ، فإنه يخرج من شجرة مباركة))
[ الدارمي عن أبي أسيد الأنصاري]
 العلماء قالوا : " زيت الزيتون أسهل أنواع الزيوت هضماً ، فيه قيمة وقائية وعلاجية وغذائية ، زيت الزيتون يخفض الكولسترول الضار، ويرفع الكولسترول النافع ، زيت الزيتون مضاد لضغط الدم المرتفع ، أي يعالج الضغط بزيت الزيتون ، زيت الزيتون مضاد لمرض السكر ، زيت الزيتون فيه وقاية للشرايين والأوعية ، عمر الإنسان بعمر شرايينه ، لو أن إنسان نجا من كل الأمراض الخبيثة والعضالة والمميتة كيف يموت ؟ يموت بتصلب الشرايين ، و زيت الزيتون يطيل عمر الشرايين أي يكسبها مرونة فائقة جداً ، لذلك لوقاية الشرايين والأوعية من التصلب وترسب المواد الدهنية في الشرايين هذا من مهمة زيت الزيتون .
المذيع :
 طبعاً لا نستطيع أن نفصل كثيراً فقط الإشارة .
الدكتور راتب :
 الإشارة الأخيرة مئة غرام من الزيتون فيها بروتينات ، وفيها دسم ، وفيها بوتاسيوم ، وكالسيوم ، ومغنيزيوم ، وفسفور ، وحديد ، ونحاس ، وكبريت ، وهناك ألياف ، وغني بأهم الفيتامينات ، شيء مذهل في زيت الزيتون ، لذلك يعد الغذاء الأول ، هناك بحث في أمريكا يؤكد أن أفضل غذاء في العالم غذاء الشرق الأوسط ، لأنه يعتمد على زيت الزيتون .
المذيع :
 طبعاً هذا الكلام أعتقد نفسه نقوله بالنسبة للتمر وللتين وللرمان .
5 ـ الرمان :
الدكتور راتب :
 الرمان أستاذ محمد شيء مذهل ، مذيب للمواد الدهنية ، من أكل الرمان بكثرة ـ حمض الرمان يذيب المواد الدهنية في الدم ـ كأنه يطيل أمد فتحة شرايينه الممتازة ، أحياناً هناك مواد دهنية تترسب على جدران القلب ، للتقريب النبي عليه الصلاة والسلام :
(( أذيبوا طعامكم بذكر الله والصلاة ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم ))
[أخرجه الطبراني عن عائشة أم المؤمنين ]
 هذا الحديث فيه إعجاز الإنسان إذا أكل ونام القلب ينزل نبضه من ثمانين نبضة إلى خمس وخمسين نبضة ، فإذا ضعف النبض يمشي الدم بطيئاً في الجسم ، فإذا مشى بطيئاً ترسبت بعض المواد الدهنية في الجدران ، فإذا ترسبت تصلب الشريان ، الشريان في الأساس مرن ، الشريان قلب آخر ، فعندما ينبض القلب الشريان مرن يتجاوب معه فيتوسع ، ولأنه مرن ينقبض ، يتوسع وينقبض صار قلباً ثانياً .
المذيع :
 لا ينصح بالأكل بالليل وخاصة الدسم .
الدكتور راتب :
 أبداً ضع يدك هنا تحس أن هناك نبضاً ، الشريان مرن ، يتوسع وينقبض ، إذا توسع وانقبض صار قلباً آخر فجميع الأوعية هي قلوب ، فما دام الشريان مرناً فالقلب مرتاح، فإذا تصلب الشريان من ترسب المواد الدهنية عليه تعب القلب :
(( ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم ))
[أخرجه الطبراني عن عائشة أم المؤمنين ]
 أنا أنصح الأخوة المشاهدين الوجبة الرئيسة الأولى طعام الصباح لأن بعده هناك ثماني ساعات عمل ، العلماء يقترحون أن يأكل الإنسان نصف كمية الطعام صباحاً ، وخمسة وثلاثين بالمئة ظهراً ، وخمسة عشر بالمئة مساءً لكن قبيل أن ينام بأربع ساعات ، وإلا هناك مشكلة :
(( أذيبوا طعامكم بذكر الله والصلاة ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم ))
[أخرجه الطبراني عن عائشة أم المؤمنين ]
المذيع :
 هذا بالنسبة للأطعمة الحلال الطيبة ، القرآن الكريم كذلك في نص حرم الدم ، لحم الخنزير ، الميتة ، وكذلك الخمر ، لماذا حرم القرآن الكريم هذه الأطعمة ؟
الحكمة من تحريم الله عز وجل بعض الأطعمة :
الدكتور راتب :
 بصراحة لو لم يكن هناك محرمات لن يكون هناك تكليف ، نحن جئنا إلى الدنيا كي ندفع ثمن الآخرة ، أتصور إن لم يكن هناك شيء محرم إطلاقاً لما وجدت الجنة ، الله عز وجل أباح لنا كل شيء وحرم علينا أشياء محدودة ، بربك كم نوع عصير في الأرض الآن ؟ هناك آلاف أنواع العصائر ، الله حرم علينا الخمر ، لأنه يذهب بالعقل ، ولو جمع الشر كله في بيت لكان مفتاحه السكر ، يروون قصة سريعة أن إنساناً خيروه بين أن يشرب الخمر وبين أن يزني وبين أن يقتل فاختار بفهمه السقيم أهون شيء ، فلما شرب الخمر زنا وقتل ، المشكلة أنه جمع الخمر كله في بيت مفتاحه السكر .
 شيء آخر يهمنا الآن العالم يتجه نحو الإسلام ، عند المسلمين حالة اسمها الأمن العقدي ، ما من حدث يقع في العالم إلا و يؤكد عظمة هذا الدين ، فانهيار النظام المالي يؤكد عظمة هذا الدين ، الآن العالم الغربي يبحث بالنظام الإسلامي المالي ، الآن الاتحاد السوفيتي قبل أن ينهار حرم الخمر تحريماً كاملاً ، والآن حرموا النوادي الليلية قبل أسبوع أو عدة أسابيع .
المذيع :
 من الجرائم الكثيرة .
ما من حدث يقع في العالم إلا و يؤكد عظمة هذا الدين :
الدكتور راتب :
 الغرب أو الشرق يقترب من الدين لا عن عبادة ولكن عن مصلحة ، الدين منهج خالق الأكوان ، الحقيقة كانت الكتل المبدئية في العالم ، الشرق والغرب والإسلام ، فالشرق آمن بالمجموع وسحق الفرد أحياناً ، والغرب آمن بالفرد ولم يهتم بالمجموع ، والإسلام منهج خالق الأكوان ، الذي حصل أن الشرق تداعى من الداخل وانتهى الأمر ، بقي الغرب والإسلام، فالغرب قوي جداً ، وذكي جداً ، وغني جداً ، وطرح قيماً سابقة رائعة جداً ، خطف بها أبصار أهل الأرض ، أما بعد الحادي عشر من أيلول كان الغرب حضارة فأصبح قوة غاشمة ، ولم يبقَ على سطح المبادئ والقيم إلا الإسلام ، لذلك قال بعض علماء الغرب الذين هداهم الله إلى الإسلام : " أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور ، لاتساع الهوة بينهما ، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين لا لأنهم أقوياء ولكن لأن خلاص العالم في الإسلام " .
المذيع :
 نعلم كما تفضلت أن كثيراً من الدراسات كشفت عن خطورة الخمر عشرات بل مئات الأمراض ، الخنزير أعتقد أن العالم يتجه إلى تحريمه .
المؤمن ينصاع لأمر الله عرف حكمته أم لم يعرف :
الدكتور راتب :
 والله من آيات الله الدالة على عظمته هناك أنفلونزا الخنازير التي تنتقل إلينا عبر الخنازير ، الآن هناك نفور من هذا اللحم كبير جداً ، على كلٍّ من حيث علم الأصول علة أي أمر أنه أمر ، أنت لك طبيب تثق به ثقة غير محدودة ، قال لك : دع الملح ، هذا الكلام من عالم كبير ، من عالم مخلص كلامه أمر ، بالمناسبة هناك ملاحظة مهمة جداً كلما عرفت التفاصيل قلت قيمة العبادة في الأمر ، أنت حينما تقول لابنك : نظف أسنانك يا بني ، الهدف واضح ، فإذا قام نظف أسنانه فعل شيئاً لصالحه ، أما طعام نفيس وهو جائع لا تأكل يا بني ، يقول لك : حاضر سمعاً وطاعة ؟! فكلما توضحت حكمة الأمر ضعفت نسبة العبادة فيه ، أما الأمر الذي لا يحتمل اذبح ابنك ـ سيدنا إبراهيم ـ قال : يا أبتِ افعل ما تؤمن ، فأنا أقول : المؤمن ينصاع لأمر الله عرف حكمته أم لم يعرف ، لأنه أمر وعلة أية أمر أنه أمر ، أنا أذكر قصة أن أحد علماء دمشق سافر إلى أمريكا ، والتقى مع إنسان من هذه البلاد أسلم حديثاً، ودار بينهما موضوع عن مضار لحم الخنزير ، وهذا العالم الدمشقي أفاض ساعة أو أكثر في الحديث عن مضار لحم الخنزير ، وعن الدودة الشريطية ، وكيف انتقال صفات الخنزير إلى آكليه ، والخنزير يجامع أنثاه أمام الكل ، لا يوجد شيء اسمه خجل عند الخنزير، يجامع أنثاه على مرأى من كل من حوله ، هناك حيوانات لا تجامع الأنثى إلا بمكان لا يراهم أحد كالجمل ، فالنتيجة هذا العالم الدمشقي فصل تفصيلاً غير معقول عن لحم الخنزير ، فما كان من هذا الذي أسلم حديثاً إلا أن قال له : كان يكفيك أن تقول لي : إن الله حرمه .هذا هو الإيمان ، لذلك قالوا : علة أي أمر أنه أمر .
المذيع :
 نقطة مهمة أعتقد أن البحوث والدراسات تؤكد التذكية أو الذبح ، الإسلام حرم الميتة و المنخنقة .
الإسلام حرم الميتة و المنخنقة لأن كل هذه المحرمات دمها فيها والدم مجمع الجراثيم :
الدكتور راتب :
 لأن كل هذه المحرمات دمها فيها ، والدم مجمع الجراثيم والأوبئة والأمراض ، لذلك لا يصح أن نأكل إلا الدابة المزكاة ، أنا لي صديق سافر إلى الصين ليشتري لحماً للقطر، فطلب ذبحاً بهذه الطريقة كما ذكرت التكبير وأن يبقى رأس الدابة مربوطاً ، فقالوا : إن كنت تريد هذه الطريقة بالذبح سنرفع السعر مبلغاً معيناً ، قال لمَ ؟ قال : يوجد ثمانية لترات دم تخرج من الدابة بهذه الطريقة ، معنى هذا أن معظم مسالخ العالم تعلق الدابة من أرجلها ويقطع رأسها كلياً يخرج من الدم تقريباً الخمس ، أما حينما يبقى الرأس موصولاً وتذبح من أوداجها كما وجه النبي عليه الصلاة والسلام الدم كله يخرج ، قد يقول قائل : السمك نأكله من دون ذبح لحكمة بالغة بالغة ، حينما نصطاد السمك ينتقل دمه كله إلى غلاصمه وكأنه ذبح .
المذيع :
 طبعاً النظام الغذائي هناك بحوث مهمة الآن تكتشف أو تحاول اكتشاف هذا النظام بالتفصيل ، والوقت لا يسعنا للحديث عن كل هذه القضايا فقط إشارات ، القرآن الكريم حينما وصف نعيم أهل الجنة وأكل أهل الجنة ، قال تعالى :
﴿ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾
( سورة الواقعة )
 هنا بعض الباحثين قال : هذه الآية وغيرها تشير إلى الكثير من الحقائق الغذائية ، القرآن قدم الفاكهة على اللحم ولم يذكر أن هناك لحم الغنم والبقر بل قال لحم الطير ؟
الحكمة من تقديم القرآن الكريم الفاكهة على اللحم :
الدكتور راتب :
 سيدي أنت حينما تأكل التمرة فيها سكر فواكه ، هذا السكر ينتقل من الفم إلى مركز الشبع إلى الدم بعشر دقائق ، الإنسان متى يشبع ؟ بإحدى حالتين ، إذا تنبه مركز الشبع أو امتلأت المعدة ، فإذا بدأت الطعام بفاكهة ، بتمرة ، بتفاحة ، بعنب ، سكر هذه الفاكهة ينتقل من الفم إلى الدم بعشر دقائق إلى مركز الشبع ، فالإنسان مهما كان جائعاً إذا بدأ طعامه بالفاكهة تخف حدة الجوع ، فكان النبي عليه الصلاة والسلام في رمضان يأكل تمرات ويصلي المغرب ، فإذا جلس على الطعام جلس مرتاحاً وكأنه شبع ، لأن سكر الفاكهة أسرع مادة غذائية تصل لمركز الشبع ، أما لو بدأ الإنسان بالطعام لا يشبع إلا إذا امتلأت المعدة ، هذه مشكلة الصائم إذا ما بدأ بالتمر وصلى المغرب يأكل كثيراً بعدئذ تتعب عضلاته كثيراً .
المذيع :
 كم وكيف إذا بدأنا بالتمر أو بالفواكه ؟
الدكتور راتب :
 أنا كنت في البرازيل لا يبدؤون إلا بالفاكهة ، وفي ألمانيا و بريطانيا و الهند في هذه الدول معلوماتي الدقيقة لا يبدؤون الطعام إلا بالفاكهة ،
﴿ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾
 إشارة.
المذيع :
 نحن نبدأ بالطعام .
الدكتور راتب :
 لا نشبع إلا إذا امتلأت المعدة ، بينما لو بدأت بالفاكهة تشبع بعد عشر دقائق ، تصل المادة السكرية إلى مركز الشبع .
المذيع :
 هذا القرآن الكريم لم يشر إلى لحم البقر والإبل ، ولكن في الجنة قال لحم الطير.
الدكتور راتب :
 ذكر اللحم الطري وهو السمك ، ولحم الطير له طعم خاص جداً ، هذا من باب التميز جداً ، هذا التوجيه .
المذيع :
 بالنسبة للأشربة في القرآن الكريم أشار إلى مجموعة من الأشربة ، وأشار إلى الزنجبيل .
فائدة الزنجبيل :
الدكتور راتب :
 كل أدوية القلب في الزنجبيل ، فيه مادة مقوية ، مادة مميعة للدم ، مادة موسعة للشرايين ، مادة تقوي عضلة القلب ، ومادة تعين على توسع الشرايين ، ومادة تعين على تمييع القلب ، ومعظم أدوية القلب توسيع الشرايين وتمييع الدم وتقوية عضلة القلب ، في الزنجبيل أنا أتمنى أن يأخذه الإنسان كل يوم بطريقة أو بأخرى ، إما مع الشراب ، أو مع السلطة ، أو مع أشياء كثيرة .
المذيع :
 هل نستطيع من خلال هذه الإشارات في القرآن الكريم أن نكتشف نظاماً غذائياً نقول عنه : نظام غذائي إسلامي صحي على المستوى الجسدي ، وكذلك على المستوى النفسي، لاحظنا أن البعد الروحي موجود .
توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام الدقيقة في تناول الطعام و الشراب :
الدكتور راتب :
 أنا بلغني أن في ألمانيا مستشفى كتب على بنائها من الخارج :
 " نحن قوم لا نأكل حتى نجوع ، وإذا أكلنا لا نشبع " .
 محمد بن عبد الله
 عدّ هذا الحديث أصلاً في الطب الوقائي ، الحقيقة توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام :
(( مصوا الماء مصاً ، ولا تعبوه عباً فإن الكباد من العب ))
[أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث انس بالشطر الأول، ولأبي داود في المراسيل من رواية عطاء بن أبي رباح "إذا شربتم فاشربوا مصا]
 من أكل التراب فقد أعان على قتل نفسه ، لا بد من غسل الفاكهة ، من أكل التراب بمعنى لم يغسل الفاكهة ، أنأ أقول : توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام توجيهات مذهلة ، الآن هناك كتب كثيرة ، الطب النبوي ، تبين توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام الدقيقة في تناول الطعام ، في الاعتدال في أكل الطعام ، لا نأكل حتى نجوع ، وإذا أكلنا لا نشبع ، نقوم من الطعام ونحن نشتهيه ، اجلس إلى الطعام وأنت تشتهيه ، وقم عنه وأنت تشتهيه ، هذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام .
المذيع :
 لا يأكل الإنسان إلا وهو جائع .
الدكتور راتب :
 نعم الإدام الجوع ، الجوع يحرض الخلايا الهاضمة كأنه إدام ، فهناك توجيهات نبوية كثيرة جداً في الطعام والشراب ، أن نشرب قاعدين لا قائمين ، أن نمص الماء مصاً .
المذيع :
 لماذا هذا المص ؟ 
الدكتور راتب :
 يبدو أنه أحياناً يكون الماء بارداً ، والجسم حرارته تقدر بسبع وثلاثين درجة ، وهناك عصب حائر ، اسمه العصب المبهم أو الحائر بين المعدة وبين القلب ، فهناك حالات بالعالم كثيرة موت مفاجئ ، لذلك الإنسان إذا كان بجو حار وشرب ماء بارداً دفعة واحدة قد يموت من هذه الشربة .
المذيع :
 حينما يخرجون من الحمام .
الدكتور راتب :
 العصب الحائر أو المبهم هذا بين المعدة والقلب فلذلك :
(( مصوا الماء مصاً ، ولا تعبوه عباً فإن الكباد من العب ))
المذيع :
 طبعاً نحن الآن في رمضان والنظام الغذائي يختل ومع أنه شهر صوم ؟!
الصوم وقائي وعلاجي :
الدكتور راتب :
 الواقع مؤلم جداً ، صار شهراً اجتماعياً ، الأطعمة المتعددة ، الولائم ، السهرات إلى ساعة متأخرة من الليل ، إهمال صلاة الفجر ، هذا شيء مؤلم جداً ، هو شهر عبادة ، نحن برمضان نشحن شحنة لشهر ، الصلاة شحنة ، والصوم شحنة ، والحج شحنة ، شهر الصوم يشحن لعام بأكمله ، الشيء المؤلم أنه يباع أغذية في رمضان أضعاف مضاعفة ما يباع في باقي الأشهر ، مع أنه شهر الصوم ، فلذلك الولائم يومية والأكل كثير ، والأكل يضعف الجسم ، الحكمة التي أرادها الله من هذا الشهر لا تتحقق لأن هذا الشهر صيانة للجسم من حيث النواحي المادية ، حينما يجوع الإنسان الطعام العالق في زوايا الأمعاء ينجرف ، أحياناً الصوم له آثار مفيدة جداً ، والحقيقة الصوم وقائي وعلاجي ، وقائي لمعظم الأمراض وعلاجي لبعض الأمراض ، فإذا جعلنا الصوم مناسبة للطعام والشراب ، أنا أقول غير ذلك كان الطعام في النهار صار في الليل ، هناك وجبة إفطار ووجبة قبل النوم وهناك سحور ، ثلاث وجبات وكأنه لم يصم . 
المذيع :
 من خلال ما تقدم والإشارة إلى هذه الأصناف في القرآن الكريم كيف نستفيد منها في الأكل في رمضان ؟
الأصناف في القرآن الكريم  كيف نستفيد منها في الأكل في رمضان ؟
الدكتور راتب :
 والله أنا أتمنى أن يأكل الصائم في طعام الإفطار تمرات ثلاث ويصلي المغرب ، سكر التمر ينتقل في عشر دقائق فقط من الفم إلى مركز الشبع في الدماغ ، لذلك العشر دقائق هي صلاة المغرب ، بعد هذه الدقائق العشر يشعر الصائم أنه شبع ليس بشكل كلي ولكن لم يعد هناك نهم لا يحتمل ، لم يعد هناك ألم شديد ، أكل تمرات ثلاث وشرب كأس ماء وصلى ، ينبغي أن يأكل طعاماً خفيفاً .
المذيع :
 الإسلام ركز على السحور ما السبب ؟
تركيز الإسلام على السحور :
الدكتور راتب :
 لأن معه صلاة فجر ، الله عز وجل أراد أن تصلي الفجر في جماعة ثلاثين يوماً ورد في بعض الأحاديث :
(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي ، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))
[أحمد]
(( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))
[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
 صار الصيام يغفر الذنوب والقيام كذلك ، والصحة تستعيد نشاطها بسبب الصيانة التي تمت خلال شهر .
المذيع :
 بعض الناس في رمضان بدل التمر يتناولون جرعات قليلة من الماء ، والآن هناك بحوث مهمة جداً حول العلاج بالماء ، والقرآن : وجعلنا من الماء كل شيء حي ، أهمية الماء.
أهمية الماء :
الدكتور راتب :
 العلماء على سنوات معدودة كانوا يمنعون شرب الماء مع الطعام ، وكان هناك عالم في الشام أستاذ في كلية الطب لكنه يصر على عكس ذلك رغم كل البحوث ، ثم اكتشف أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال : ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ، معنى ذلك أنه لا مانع من أن تشرب الماء مع الطعام ، الآن البحوث أكدته ، الماء له فائدة كبيرة ، إن صيانة الكليتين الوحيدة في شرب الماء ، يجب أن تشرب الماء بشكل مستمر لو أنك بحاجة إلى الماء أو لست بحاجة إلى الماء .
المذيع :
 هناك بالإمكان أن نكتشف نظاماً غذائياً متكاملاً للصحة .
الدكتور راتب :
 من تطبيق توجيهات القرآن والسنة